التحدّي
كلستان بشير الرسول
أسدلَ الليلُ ستاره على الأفقِ حيثُ الصّمْتُ المتحفِّزُ الذي لا يعكرُ صفوهُ سوى عقاربِ السَّاعةِ التي كانتْ تشيرُ إلى الثَّانية بعدَ منتصف الليلِ .وما زلْتُ في شبه غيبوبة غارقةً في ذكريات الماضي. أستعرضُ في مخيلتي شريطاً من تلك الذكريات والأحلام الورديّة التي كانتْ يسودها الحبُّ والأمل والتَّفاؤلُ، وأجملُ ذكرى بقيت ْ محفورةً على جدار قلبي وظلَّتْ متربِّعةً في خلجاته رغمَ مرور السّنين هي علاقتي النَّبيلة بـ (جوان) ابن خالتي. فلم يكن أحدٌ يدري بتلك العلاقة بين قلبينا سوانا نحن الاثنين، ولم يبقَ من ذلك الحبِّ سوى خفقة قلبٍ على أمل اللقاء به من جديدٍ، عسى أنْ يظلَّ وفيَّاً بحبِّه لي وهو بين الفتيات الرّوسيَّات.
أجل كانَ حلماً جميلاً، استيقظْتُ منه على حقيقةٍ مرَّةٍ، حيث الأيَّام العصيبة التي عانيتها والمسؤوليّات الجسامُ التي حملتها وتنوء الصّخور من وطأتها، فتحْتُ عيني فوقعَ بصري على صورةِ والدي المعلَّقة في صدر الغرفة، أطلقْتُ زفرةً حادةً من صميمِ قلبي المتصدِّع الذي بات مسرحاً للهمومِ والأحزانِ، أخذْتُ أحدِّقُ وأحدِّقُ في الصّورةِ وكأنَّني أراها للمرَّة الأولى، وأغرقْتُ في عالم الذّكريات من جديدٍ تراءت لي صورة والدي وهو قابعٌ في الزّنزانة وكأنَّني كنْتُ أعيشُ معه وقتها، أجل خُيِّلَ إليّ ذلك لكثرة ما حدثني عنها الزنزانة، تلك الكلمة التي تقشعرُّ لها أبدانَ من عاشها أو حتّى من سمع بها، ما زال حديثه معي قبيلَ وفاته يرنُّ في أسماعي ، فأتذكَّر كلَّ كلمةٍ نطقتْ بها شفتاه وممَّا قال: عاملوني بقسوةٍ شديدةٍ ومارسوا معي كافةَ أساليبَ التَّعذيب.
-حاولوا تجويعي في البداية، بقيْتُ ثلاثةَ أيَّام بلياليها دون طعامٍ وشرابٍ سوى كسرة خبزٍ يابسٍ بحجم كفِّ اليدِّ ، وقليلٍ من الماء بالكاد بلَّلَ ريقي، كنْت في رمضان أصومُ دون أنْ أفطرَ ولم أكن أعرفُ ليلي من نهاري في تلك الزّنزانة اللعينة إلا من خلال الفتحة الصَّغيرة الموجودة في أعلى الزّنزانة حيثُ كان يمرُّ من خلالها ضوءٌ خافتٌ جدَّاً . لعلَّ ما جعلني في قمَّة السَّعادة هناك حين وجدْتُ قطعة صابون صغيرة على الأرض، يبدو أنَّ السَّجينَ الذي قبلي كان مدعوماً، وفي كلِّ جلسةٍ كانوا يحاولون تهديدي بحياتكم مقابل أنْ أدلي بمعلومات ٍ عن الحزب الذي أنتمي إليه وعن أسماء رفاقي. ولكنَّ اللهَ تعالى منحني الصَّبرَ وقوَّة التَّحمُّل ولم أعترفْ لهم بأيّ شيء يشفي غليلهم، فحين كانوا يجدون منِّي ذلك الرَّفض كانوا ينهالون عليَّ بالضّرب المبرِّح والشَّتائم ." أفين يا بنتي وصيَّتي لكم أنت ِ وإخوانك ألا تخافوا ولا تستسلموا بل كونوا شجعاناً فـ(الحياةُ وقفة عزّ فقط)، وليكن إيمانكم بالله قويَّاً ". بهذه العظات والعبر ودَّعنا والدي في وقتٍ كنَّا بأمسِّ الحاجةِ إليه .شعرت بغصة مرة في حلقي فأخذت ابتلع ريقي من مرارة المأساة أقول في قرارة نفسي: (الحمدُ لله أنَّه لم يمتْ وهو في السّجن) اغرورقتْ عيناي َ بالدّموع وأخذْتُ أتقلَّبُ من جنبٍ إلى جنبٍ عسى أنْ يغمضَ لي جفنٌ وأنامُ قليلاً، لقد بات حملي ثقيلاً بعدَ وفاة والدي فقد أصبح لزاماً عليَّ أنْ أعيلَ أسرتي الثَّكلى التي ترزحُ تحتَ سقفِ الفقر والحرمان، فأمِّي المقعَدةٌ بحاجة للدواء دوماً وإخوتي الثَّلاثة صغارٌ يلزمهم الكثيرُ، ناهيك عن ادّخاري لبعض المال لأخي بنكين الذي يدرسُ في روسيا مع جوان رغمَ أنَّه سافرَ بمنحةٍ دراسيّةٍ إلا أنَّه بحاجةٍ للمساعدة الماديّة بين الحين والآخر، فلا يكفيه الرَّاتبُ الذي يتقاضاه ومن الصّعب له أنْ يوفقَ بين العمل والدّراسة وخاصة في السَّنوات الأولى له على الأقلّ. لقد جعلتني تلك الظّروف الصَّعبة التي كنْتُ أمرُّ بها في حالة ذهول ٍ وشرودٍ، فأحياناً كثيرةً كنْتُ أنسى ما أقوله لطلابي أثناء شرح الدّروس لهم وخاصة علاقتي بوالدتي بدأًتْ تتزحزحُ فقد كانت تضغطُ عليَّ وبشدةٍ ألا التفت للسياسة والعمل الحزبي سوى دوام المدرسة حتى استطيعَ إعالتهم. زاعمةً إنَّ عملنا ونضالنا بلا جدوى، وممَّا قالتْه بالحرف الواحد ( هذا والدُكِ أكبرُ مثالٍ لما أقولُه. هل حقَّقَ شيئاً ؟ بل أنَّه دفع حياته ثمناً لذلك) ظلَّتْ تنقُّ عليَّ باستمرار ولكنَّ كلَّ ذلك لمْ يثن ِ من عزيمتي وإيماني بما أفعله وأناضلُ من أجله، وبعد وقتٍ طويلٍ، وجهدٍ متواصلٍ استطعْتُ إلى حدٍّ كبيرٍ من إعادة ثقةِ أمِّي بي وبالنَّاس من جديدٍ كما كانتْ من قبلُ، كما أزلْتُ الكثير من اليأس والتَّشاؤم من نفسها لتحلَّ محلَّها الأمل والتَّفاؤل بالغد.
سارَت الأمورُ لفترةٍ زمنيّةٍ كما أحبُّ وأشتهي ولكنَّها لم تدمْ طويلاً حيث فوجئْتُ بقرار فصلي من التّدريس ،كانتْ ضربةً موجعةً لي وصدمةً جديدةً أُضيفتْ إلى صدماتي المتعاقبة،تتالت عشراتُ الأسئلة لتشكِّلَ إشارة استفهام كبيرة في رأسي عسى أنْ أجدَ لها حلا ً مناسباً، رغم قساوة الظّروف وتراكمها عليّ إلا أنّني لم أستسلمْ ولم أضعفْ، واستمرّيْتُ في إعالة لأسرتي من عملي في الخياطة، وقد أفادتْني الدَّورة التي تعلمْتُها وأنا في الصّفّ العاشرِ إضافة إلى رغبتي وهوايتي في فنِّ التَّفصيل والخياطة.
هكذا ودون أنْ أنكِّسَ رأسي لأحدٍ، وبتحدٍّ كبيرٍ للظروف القاسية والصّدمات الموجعة التي تعرضْتُ لها استطعْتُ أنْ أتغلَّبَ عليها وأتخطَّاها بكلِّ ثقةٍ بفضل الصّبر والثّبات وقوَّة الإيمان والإرادة التي استلهمْتُها من والدي، وبجهودٍ إضافيّة ٍ أصبحْتُ أواصلُ ليلي مع نهاري في عملي بالخياطة الذي كنْتُ أصبُّ عليه جامَ غضبي ونشاطي وهكذا ...وأنا في غمرة الحياة ودهاليزها، مرَّت الأيّامُ والشّهورُ، لتلحقها السّنون ولم يبقَ لتخرُّج بنكين سوى أشهر قليلةٍ ،انتظرناها بفارغِ الصّبرِ وعلى جمرٍ من نار الانتظارِ،مرَّت تلك الأيَّامُ وتلقّينا الرِّسالة المُرتقبة من بنكين،يحدّدُ لنا موعد قدومه إلى الوطن، ياالله ما أجملَ تلك اللحظةَ!!التي تلقّيْنا فيها الرِّسالة والأجملُ من ذلك هي المفاجأة السَّارة التي أخبرني بها بنكين ضمن الرّسالة، قالَ: إنَّ جوان قد طلبني منه وسيأتي في الصَّيف لنتزوّج، هل أنا في علم أم في حلمٍ؟
لقد بدأت المشاعرُ والأحاسيسُ الأنثوية تدبُّ في قلبي من جديد بعد أنْ أنستني إيَّاها الظّروفُ، قرأتُ الرسالة عدَّة مرَّاتٍ ،وأنا في غاية السَّعادة ثمَّ أسرعْتُ للتو إلى صورة والدي لأخبره بقدومِ الدّكتور بنكين وتحقيقِ حلمه أخيراً، بدأتُ أتحدَّثُ مع صورةِ أبي وكأنَّه حيٌّ ماثلٌ أمامي، بقيْتُ للحظاتٍ أمامَ الصّورةِ مندهشةً سعيدةً لوقعِ المفاجأتين السَّارتينِ عليَّ، ولكنَّ ثمّةَ دموعٍ غزيرةٍ كانتْ مزيجاً من الفرحِ والحزنِ، أخذتْ تنهمرُ على خدّي حينَ استعدْتُ وعيي وأدركْتُ الحقيقة المرّة بموتِ والدي.