سوريا والمنعطف التاريخي.. تحديّات الانتقال ومسارات التوافق الوطني
عزالدين ملا
احتفل السوريون بالذكرى الرابعة عشرة للثورة السورية التي انطلقت في 15 آذار 2011 وجاءت ذكرى هذا العام مع تحوّل تاريخي مهم تمثل في سقوط نظام بشار الأسد، الذي تسبّب في معاناة الشعب السوري من دمار وقتل وتشريد.
واليوم، تقف سوريا على أعتاب مرحلة جديدة مع تولّي إدارة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، تمهيداً لبناء سوريا المستقبل.
ومع ذلك، أثار الإعلان الدستوري جدلاً واسعاً، خاصة بين الأقليات، وعلى وجه التحديد الشعب الكوردي الذي عبّر عن مخاوفه من بعض بنود الدستور الجديد.
1-ما هي أبرز التحديات التي تواجه الإدارة الانتقالية في سوريا بعد سقوط النظام؟
2- كيف يمكن تحقيقُ توافقٍ وطنيٍّ يضمن حقوق جميع المكونات السورية في المرحلة القادمة؟
3- ما الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الإقليمية والدولية في دعم استقرار سوريا الجديدة؟
4- ما أبرز المخاوف التي عبّر عنها المكون الكردي بشأن الإعلان الدستوري، وكيف يمكن معالجتها؟
خيبة أمل الكرد وتحدٍ للوحدة الوطنية
تحدث عضو الهيئة السياسية لحزب يكيتي الكوردستاني – سوريا، فؤاد عليكو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «ربما لم يكن الأمر مفاجئاً للقليل من الدول التي ساهمت في إسقاط نظام الدكتاتور الذي تربّع على دست الحكم في سوريا مع والده المقبور طيلة أكثر من نصف قرن، مارس فيه أبشع المجازر والتّنكيل بحقّ الشعب السوري. لكنها كانت مفاجئة بالنسبة للشعب السوري ولجميع المراقبين المهتمين بالشأن السوري. كما أن حصول هذا السقوط على أيدي المنظمة المتهمة عالمياً كمنظمة متطرفة شكّل المفاجأة الأكثر استغراباً بحدّ ذاته، إذ تحوّلت هذه المنظمة بين عشية وضحاها من منظمة مرفوضة سوريا وعالمياً إلى منظمة تقود الدولة السورية إلى برّ الأمان. وهذه من أبرز التحديّات التي تواجهها على الصعيدين المحلي والدولي، والتي تتطلب منها تغييراً جذرياً في سلوكها وسياستها وممارساتها، من منظمة دينية متطرّفة إلى مؤسسة سورية وطنية تقود الدولة والمجتمع، وتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، دولة المواطنة الحقيقية لكل السوريين بمختلف أطيافهم ومكوناتهم المجتمعية.
وحتى تتمكن من ذلك، لا بد أن يدخل الرئيس أحمد الشرع في صراع حقيقي مع أبي محمد الجولاني فكرياً وسياسياً وميدانياً، بغية كسب ثقة الشعب السوري. وبدون تحقيق هذا التحدي الكبير، فقد نعيش حقبة أخرى من الصراع الداخلي.
يتابع عليكو: «يتحقق التوافق الوطني من خلال فتح باب الحوار الوطني على مصراعيه أمام جميع القوى الوطنية السورية بمختلف أطيافها ومكوناتها، بغية الإعداد لمؤتمر وطني شامل ينبثق عنه مجلس تأسيسي لصياغة مسودة دستور وطني، بعيداً عن الطائفية والعرقية، بحيث يشعر فيه كل مواطن وكل مكون بأن هذا الدستور يمثله، ثم يُعرض للاستفتاء العام.
لكن، ومما يؤسف له، فإن الخطوات التي اتُّبعت للإعداد للإعلان الدستوري تتعارض تماماً مع ما ذهبنا إليه، حيث تم تشكيل لجنة للتحضير لمؤتمر الحوار الوطني من شخصيات ذات طابع إسلامي واضح، مع إضافة امرأة مسيحية كديكور على ما يبدو، وتهميش وإبعاد جميع المكونات والقوى السياسية السورية عن المشاركة. ثم، وبطريقة خاطفة، تم إرسال الدعوات لأكثر من 800 شخصية منتقاة حسب مزاجهم، ليوم واحد فقط، لإصدار بيان توجيهي للإعداد للإعلان الدستوري.
وبنفس الآلية، تم الإعلان عن إعلان دستوري شكّل خيبة أمل كبيرة لغالبية السوريين، حيث رسّخ هذا الإعلان لحكم إسلامي مطعّم بنكهة عروبية، وكرّس سلطة الفرد المطلقة لمدة خمس سنوات، ومنحه حصانة من المحاسبة من قبل أي جهة كانت، كما اعتمد على الفقه الإسلامي في تسيير شؤون الدولة. وبعبارة أدق، فقد تم التأسيس لحكم ديني (ثيوقراطي) بامتياز.
يؤكد عليكو: «أن القوى الإقليمية والدولية تستطيع أن تلعب دوراً كبيراً في مساعدة السوريين سياسياً واقتصادياً، خاصة القوى التي ساهمت في إسقاط الطاغية. لكن من خلال رصد الوقائع على الأرض، نلاحظ وجود تجاذُبات كبيرة وأحياناً حادّة في التعامل مع الملف السوري، حيث يسعى كلُّ طرف إلى الحصول على الحصة الأكبر من "الكعكة السورية"، ولا سيما في مجال الاستثمارات الكبرى مثل النفط والغاز والمواصلات وغيرها.
كما أن هناك صراعاً خفياً أحياناً وظاهراً أحياناً أخرى حول مناطق النفوذ في سوريا بين قوى إقليمية مختلفة فيما بينها أيضاً (تركيا، إسرائيل، الدول العربية)، بالإضافة إلى إيران التي خرجت مهزومة لكنها تتحيّن الفرصة للعودة إلى سوريا ولبنان بأي وسيلة كانت. أما القوى الدولية، فلها صراعاتها الخاصة (أمريكا، روسيا، أوروبا)، حيث يتعاملون مع ملفّ الصراع في سوريا ضمن سياق ملفات أخرى أكثر تعقيداً، وهنا تدخل قاعدة "الصفقات المتبادلة" دولياً في اللعبة، مثل التنازل في ملف ليبيا أو أوكرانيا مقابل مكاسب في الملف السوري. وهكذا، نجدُ أنّ الملف السوري أكثر تعقيداً مما نتخيّل، سواءً على المستوى الإقليمي أو الدولي».
يختم عليكو: «انه في الواقع، كان صدور الإعلان الدستوري بهذه الصيغة الإلغائية لكلّ المكوّنات السورية، وخاصة الكرد، مُخيّباَ للآمال، ونسفَ كل التطمينات التي أطلقها الشرع، وألقاها في مهبّ الريح. حيث وجد الكرد أنفسهم أمام دولة إسلامية/عروبية بامتياز، في تجاهل تام للحقيقة التاريخية لوجود الشعب الكردي في سوريا كقومية ثانية من حيث التعداد السكاني. أما الإشارة إلى "الحقوق الثقافية" للمكونات السورية في أحد البنود، فلا ترتقي إلا إلى مستوى القوميات اللاجئة إلى "سوريا العربية" كمفهوم جغرافي.
هذا الأمر دفع الشعب الكردي، بمختلف تياراته ومنظماته المجتمعية، إلى الرفض القاطع لهذا الإعلان، والخروج بمظاهرات في جميع المناطق الكردية وفي المهجر. لدرجة أنه يمكن القول إن الإعلان الدستوري وحّد الكرد سياسياً، ونأمل أن يستمرّ هذا الزخمُ الجماعيُّ المشترك في الضغط على السلطة المؤقتة، حتى تُجبرها على تغيير هذا السلوك العنصري تجاه الكرد والمكونات السورية الأخرى، وإعادة النظر في هذا الإعلان الدستوري سيئ الصيت».
الحكومة السورية الجديدة والالتفات إلى الشعب
تحدثت عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، بسه عبدي لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «حقيقة يعدُّ يوم الثامن من كانون الاول 2024مرحلة مفصلية في تاريخ سوريا، حيث استطاعت بعض الفصائل المسلحة التابعة لما كانت تسمى بحكومة الانقاذ الحاكمة في منطقة ادلب السورية استطاعت الوصول الى دمشق وإنهاء نظام حكم الأسد، حيث سقط النظام البعث الذي كان معروفاً بشموليته ودكتاتوريته وإقصائه للشعب السوري عامة من الحياة السياسية وذلك بالاعتماد على عناصر استطاعت تقمص افكاره والدفاع عنها، حيث كان يعتمد بالدرجة الأولى وفي المناصب والوزارات المهمة على أبناء طائفته وثم على أفراد تم تنقيتهم بشكل دقيق لتولي المهام الاخرى، وبذلك ضمن حكم الدولة السورية بقبضة من الحديد والنار والدم».
تتابع عبدي: «إن تاريخ حكم البعث وخاصة في فترتَيْ تولّي الأسدين الأب والابن مليئاً بالمجازر الوحشية والإبادات الجماعية بدأً بمواجهة الإخوان في عام 1982 وما رافقها من أفعال مهولة مُورِست بحقّهم وكانت كفيلة بتجريد السوريين من إنسانيتهم، وحوّلتهم إلى دمى خائفة صامتة، ثم في العام 2004ما تم ممارسته بحق الكورد من قتل ميداني مباشر، حيث استطاع الكوردي بصدره العاري صد الرصاص وكسر تلك الهائلة التي رسّخت في حماة، أما الحقيقة المطلقة لهم فقط تكشفت ببداية الثورة السورية وما فعله بالشعب السوري من اعتقالات وإخفاءات واغتيالات وتدمير المدن والبلدات وقتل الانسان والحيوان واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، كل ذلك ليخضع الشعب، ويحتفظ بالسلطة والحكم. فالذكرى السنوية للثورة السورية هذا العام جاءت بشعور مختلط، فالشعب الذي قدّم كل شيء في سبيل إنجاحها له الحق في الابتهاج بنهايتها وتحقيق أهدافها وإسقاط بشار الأسد، إلا أن الاحتفاء والاحتفال برأيي لم يكن كما يجب لأن الشعب السوري عاد إلى منطقة الخوف والحذر بعد تولّي السلطة الجديدة للحكم، حيث بدأت بخطوات ذكية ومدروسة بتهدئة مخاوف الشارع وامتصاص ما يمكن أن ينتج عن استلامهم الحكم. الآن إن السمة البارزة لهذا الحكم هي الاقصاء والاعتماد على أشخاص من طائفة واحدة وانتهاج الكثير من سلوكيات التي تهدم الثقة. سلوكيات مناقضة لتصريحات أعضائها العاملين في المناصب السيادية، فما حدث في الساحل السوري من قتل وتهويل، وخطاب التخوين والكراهية ضد الكورد والدروز، كل ذلك دلائل على الفكر غير السوي سياسياً. وأما أخطر ما قامت به هذه السلطة هي الإجراءات القانونية والتي بموجبها تحاول تجميد الشعب السوري وتكبيله بدأً بتنصيب أحمد الشرع رئساً لسوريا بإرادة منفردة، وعقد ما سميّ بمؤتمر الحوار الوطني وآخرها إصدار الاعلان الدستوري والذي هو أسوأ من الدستور البعثي، لأن دساتير الدول والبلدان تأتي معبرة عن الحقيقة البشرية في تلك البلدان، فلا يمكن أن تخلق شعباً سياسياً متجانساً إذا لم تعترف مما يتكوّن هذا الشعب. لأن حقيقة المكوّن البشري الذي يعيش على الجغرافية السورية كتلة بشرية متنوعة مختلفة عن بعضها من حيث العرق والدين والتوجه والفكر، أما ما تم الاعلان عنه على انه الاعلان الدستوري فهو حقيقة لا يشبه دستور بلد يأمل بالتعافي والبناء ووصفه الحقيقي هو عقد إذعان، وكأن لسان حال السلطة هيئة تحرير الشام تقول لا يملك السوريون إلا ان يقبلوا به شاؤوا أم أبوا، وهذا منذ البداية جرم ولا يجوز تجاوزه، لذلك فالتحدي الاساسي لهذه الادارة هو القدرة على تحقيق التوازن الحقيقي في الدستور، يجيب ان يعترف الدستور بان الشعب السوري عبارة عن الكثير من الاختلافات والاعتراف بخصوصية كل مكون، والنص بالدستور على كل ما يحقق لهم الثقة والامان لضمان الاستقرار والبناء في هذا البلد.
تضيف عبدي: «إن حكم الفرد كما يحاول أحمد الشرع ترسيخه لن ينتج إلا مزيدا من الدمار والتفرقة، فإقصاء الكورد والمسيحين والدروز والعلويين والايزديين من حكم البلاد وخاصة إهمال وإنكار دور المرأة ومحاولة تنميطها بنمط تيار ديني متشدّد هو حكم بالإعدام على سوريا الجديدة مؤجل النفاذ. وكل ذلك يتم أمام أنظار المجتمع الدولي والدول الفاعلة والتي تحاول مساعدته في تخطي عنق الزجاجة، يجب على دول الاتحاد الأوربي وأمريكا أن تكون فاعلة ورادعة في اجراءاتها فلا يمكن ان تدعم هذه الحكومة بالمساعدات الاقتصادية والامتيازات والعلاقات السياسية اذا استمرت بهذا النهج الاستبدادي. بالنسبة للكورد مثلا فهم أصحاب قضية قومية ناضلت منذ تشكل الدولة السورية بشكل سلمي سياسي في سبيل الحصول على الاعتراف الدستوري بها وضمان المشاركة الفعالة في ادارة البلاد وتحقيق التنمية والتطور للمناطق الكوردية.
الحكومة السورية الانتقالية والتحديات المصيرية
تحدث السياسي، دوران ملكي لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «لا شك إن جميع السوريين سعداء بانتهاء حكم الطغاة من آل الأسد الذي دام 54عاماً من القمع والظلم الذي لم يستثنِ منه أحد من السوريين، ولكن لم نردها كما أتت كنا نريدها أن تنبعث عن الشعب أصحاب الثورة الحقيقيين الذين واجهوا آلة حرب النظام بصدورهم العارية وتحت إشراف منظمة الأمم المتحدة ليتم تشكيل حكومة انتقالية تساهم في وضع دستور جديد للبلاد.
ما جرى من تبادل الأدوار موضع شكٍ إلى الآن، وسيبقى السؤال مطروحاً من كان الراعي الحقيقي والكاتب لسناريو السقوط، كيف تسلم الحلقة الأضعف من المعارضة السورية مقاليد الحكم في سوريا؟ وهذا ما لا يقبله المنطق إلا بشرط واحد وهي أن تكون إدارة انتقالية مؤقتة يتم من خلالها تحديد ملامح الشرق الأوسط الجديد.
أهم التحديّات التي تواجه الحكومة الجديدة هي عدم قدرتها على التحكم بحاضنتها التي انبثقت من أرضية التنظيمات الجهادية السلفية، والتي جلبت المقاتلين من جميع أصقاع الأرض، وهم جاهدوا بالتأكيد ليس لتشكيل حكومة وطنية تكون جزءاً من التشكيلة القومية العربية أو جزءاً من العالم الحضاري الذي يسعى لتطبيق أركان الديمقراطية في المجتمع السوري، وتشكيل مجتمع علماني تتمتع فيه جمع المكونات بحقوق متساوية، وإنما من أجل بناء مجتمع إسلامي يطبق الشريعة الإسلامية، وهذا التوجه بالنقيض من مطالب الشعب السوري ولا يستطيع تلبية متطلباته.
يتابع ملكي: «ان التحدي الثاني هو استلام النظام الجديد لسوريا مدمرة ويرزح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الدولية منذ أيام النظام البائد، ولا يستطيع إدارة الدولة إلا إذا حصل على مساعدات من المحيط الإقليمي والدولي ورفع العقوبات، ولكن لكل شيء ثمنه فمن يدفع يملي أيضاً، وما أكثر الإملاءات على القيادة الجديدة، لذلك يعيش في بحر من التناقضات والصراعات الداخلية بين إملاءات الخارج والمحيط الإقليمي ومتطلبات الواقع الداخلي واحتياجات الشعب.
التحدي الثالث هو مستقبل الصراع مع إسرائيل وكونها ضعيفة ومفككة تنجبر على الخضوع للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية ولن تسمح أمريكا وإسرائيل لأية دولة بالتوغل في الواقع السوري وفرض إرادته على السلطة الجديدة، وسوف يستمر الوضع كما كان من تقوية مناطق النفوذ لأن السلطة الجديدة ايضاً تخشى من هيكلة الدولة ووضع دستور دائم، لأنه كل ما اتّجهت الأمور باتجاه الحل تزداد العقد والمشاكل، ولذلك يريد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع زيادة الفترة الانتقالية لعل القدر يساعده ويحصل على حلول جديدة على أرضية الصراعات الدولية.
التحدي الرابع هو حجم الدين الخارجي الروسي والإيراني على الحكومة البائدة، والتي يلزم القانون الدولي السلطة الجديدة بالوفاء لالتزاماتها وتنفيذ الاتفاقيات المبرمة من عقود نفط وممتلكات، وإلا سوف تتعرض إلى نقمة هاتين الدولتين والذين يملكان الكثير من الأوراق الرابحة التي فيما إذا استخدمت يمكن أن تفقد سلطة أحمد الشرع شرعيتها في الإطار الدولي.
التحدي الخامس هو حجم الضغوطات الأوربية المتزايدة من أجل إحداث استقرار في سوريا للتخلص من عقدة اللاجئين وإمكانية إرجاع العديد من غير المرغوبين فيهم تحت زريعة سوريا آمنة، ولذلك يحاول الاتحاد الأوربي إزالة بعض العقوبات بشرط وضع أسس حكومة مدنية تشترك فيها جميع مكونات الشعب السوري».
يشير ملكي: «إلى ان كل هذه التحديات يجب أن تجابه بعقلية حكيمة ونيرة تستفيد من تجارب الماضي، وتؤسس لمرحلة قادمة أكثر ثباتاً، وهذا يتطلب الاستفادة من تجارب الدول المجاورة وخاصة جمهورية العراق الفيدرالية، فبالرغم من التدخلات الخارجية يبقى النموذج رائداً، حيث يحمي حقوق جميع مكونات الشعب العراقي، ويفتح المجال أمام المنافسة والتطور الاقتصادي والعمراني، وينعم الشعب بالرخاء، ويتم توزيع الثروة بشكلٍ عادل، فمن زاود منهم على الفيدرالية قد خسر والتجربة واضحة فإن سنة العراق يحلمون بالفيدرالية إسوة بالفيدرالية الكوردية في الوقت الذي كانوا هم من عارضوا فدرلة العراق.
بما إن الوضع العراقي مختلف عن الواقع السوري بعض الشيء بسبب التمايز الجغرافي والاثني في العراق، فإن الأنسب لسوريا هي الفيدرالية الجغرافية، ويكون النظام الديمقراطي وصناديق الاقتراع هي الفيصل في تشكيل الحكومات المحلية.
القيادة الجديدة تصر على إن الفيدرالية تعني التقسيم إرضاءً لتركيا وإشباع لرغبة الشوفينيين وبقايا البعثين الذين انضموا إلى الفصائل المسلحة بعد قطعها الأمل من حكم بشار الأسد، ولكي يستفرد بالسلطة ويجعل من سوريا دولة مركزية تحكم بالحديد والنار، وبدا هذا واضحاً من توقيعه على الإعلان الدستوري الذي يرفضه جميع المكونات من كرد ومسيحيين وعلويين ودروز والذي يصل نسبتهم مع المجتمع العلماني السني إلى أكثر من50%».
يؤكد ملكي: «ان أجندات الدول الفاعلة في الشأن السوري تختلف ولكنها اتفقوا على تولي أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية، فهل هذه الدول متفقة على تقوية عود أحمد الشرع وتساعده في بناء الدولة التي يريدها؟
جميع المؤشرات تشير إلى أن الرئيس أحمد الشرع هو أداة تشتيت سوريا وليس توحيدها، وتوحدت الرؤى حوله لأنه استطاع أن يطرد ايران ويقلل من حجم النفوذ الروسي، وإمكانية التطبيع مع إسرائيل، وحماية الحدود السورية اللبنانية من تمدد حزب الله باتجاه سوريا بعدما منيّ بالهزيمة في الساحة اللبنانية، ومع ذلك تنتظره ملفات أخرى يجب اتخاذ موقف منها وهو محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم داعش، وعدم التدخل في شؤون دول الجوار، وتقليل النفوذ التركي المتزايد في سوريا مما يحدث قلقاً لدى إسرائيل.
قرارات متناقضة تصدر عن القيادة الجديدة، فتارة تحاور المكونات وتارة تنفيهم وتنعتهم بالمجتمعات الكينونية، ويحاول أن يرضي الجميع في هذه الفترة العصيبة الذي يحتاج فيه إلى رفع العقوبات وإزالة اسمه من قوائم الإرهاب وكسب الاعتراف الدولي، وجُلّ هذا التخبط توقيعه على الإعلان الدستوري الذي ينفي المكوّنات، ويقرُّ بالحكم الإسلامي السني ويدعو إلى دولة دينية صريحة وواضحة، وأغلب الظن إنه تم كتابته من قبل أناس لا يمتون بصلة للشعب السوري، وبصمات التدخّلات الإقليمية واضحة فيه، وهم يعرفون حق المعرفة بأن هذا الإعلان غير مقبول من أغلب الشعب السوري، وسوف ينتهي فترته الانتقالية دون أن يتقدم قيد انملة، وسيعاني الشعب السوري المزيد من المآسي والحروب الأهلية وبهذه العقلية لا يستقر الوضع».
يختم ملكي: « الفرصة مواتية لإلغاء الإعلان الدستوري والاستعانة بممثل الأمين العام للأمم المتحدة الى سوريا ستيفان ديمستورا لوضع مسودة دستور بالتعاون مع ممثلي الشعب، شامل ومعبر عن طموحات كل الشعب ومن ثم يعرض على التصويت العام وما عدا هذا الإجراء ستدخل سوريا في نفق مظلم».
شراكة حقيقية وهوية جامعة لكل السوريين
تحدث الكاتب والسياسي، منال حسكو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «من دون أدنى شك هناك الكثير من التحديات تواجه الادارة الانتقالية في سوريا وفي مقدمة تلك التحديات الوضع الأمني والاقتصادي وكتاب الدستور جديد يكون فيه الحقوق مكفولة للجميع وتأسيس نظام برلماني ديمقراطي غير اقصائي، أما بخصوص الوضع الأمني فهناك شبه انهيار في المؤسسات الأمنية والكثير من الفصائل المسلحة الغير ملتزمة، وهذا يتطلب بناء مؤسسة عسكرية وأمنية يكون مهامها حماية أمن المواطن والحفاظ على سلامة الدولة، وبخصوص الوضع الاقتصادي فهو منهار وليست هناك سيولة، والإدارة الانتقالية لا تملك الكثير حتى تستطيع تأمين متطلبات الناس ودفع الرواتب، لهذا عليها العمل بكل الوسائل المتاحة أمامها من أجل رفع العقوبات وإعادة الأموال المجمدة والعمل بشكل جدي مع الدول المانحة. كما يتطلب منها الحفاظ على أمن الحدود للدول المجاورة لكي تعطي انطباع جيد وإقامة علاقات حسنة مع دول الجوار وعدم فتح المجال لأي تدخل خارجي، كما أن موضوع عودة النازحين واللاجئين إلى محافظاتهم وقراهم والعمل على إخراج الفصائل المسلحة من المدن. وهنا لا بد من الإشارة إلى وضع كل من عفرين وكري سبي وسري كانييه وعودة آمنة لسكانها إلى بيوتهم».
يتابع حسكو: «إن البدايات الخاطئة يكون لها نتائج عكسية وسلبية على الناس والمجتمع، كيف لنا الحديث عن تحقيق توافق وطني في ظل هكذا دستور الثورة السورية قامت من أجل الحرية والتغيير والكرامة والحقوق والمساواة، أما ما شاهدناه منذ البداية لعمل هذه الإدارة وتشكيلتها لا تبشر بالخير وعكس التوقعات اولا المؤتمر الوطني( المؤتمر الإقصائي)، حيث لا نستطيع الا ان نقول عنه سوى مؤتمر على مقاس هيئة تحرير الشام اي لون واحد، ثم كتابة الدستور المؤقت حيث تكريس سلطة البعث بصيغة إسلامية وعباءة قومية عروبية، زد على ذلك منصب رئيس الجمهورية غير القابل للمساء لة وفوق المحاسبة وفترة الحكم الانتقالي بخمس سنوات، كما أن اسم الدولة عليه ايضا إشكالية ومنصب الرئيس مسلم سني والفقه الاسلامي من دون الاخذ بعين الاعتبار حقوق باقي الاديان، كل هذه الأسباب مجتمعة تشكل عقبة حقيقية امام تحقيق توافق وطني يضمن حقوق جميع المكونات في المرحلة القادمة إذا لم يكن هناك دستور يصون حقوق كافة الطوائف والمذاهب والاديان والاقليات والحقوق المشروعة.
يشير حسكو: «انه يجب أن نفرق بين مصالح الدول الطبيعية وتدخل الدول في شأن السوري الداخلي، هناك بعض الدول ليست من مصلحتها الاستقرار في الوضع الداخلي لان عدم الاستقرار يصب لصالح اجنداتهم وتصدير ازماتهم ومشاكلهم لهذا تسعى وتحاول لعدم الاستقرار، اما الدول التي تتطلع إلى الاستقرار في الوضع الأمني والاقتصادي وتحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان وحل كافة المشاكل بطرق ديمقراطية سليمة، وهذا مرتبط بعقلية الحكام الجدد في دمشق، اذا لم يكن هناك إرادة في الداخل لا يمكن الحديث عن محاولة الاستقرار وفرضها من الخارج، إن دور الدول يتوقف على انفتاح عقلية حكام دمشق وتخليهم عن الفكر العروبي الشوفيني والإسلام الراديكالي وسياسة إقصاء الآخر، حيث لا يمكن الحديث عن استمرار سوريا من دون تقبل الآخر والاعتراف بحقوق الجميع».
وبخصوص الإعلان الدستوري، يردف حسكو: «لو لم يعلن عنه كان أفضل، فجميع الطوائف والمذاهب والاقليات قد اعربت عن عدم القبول بهذا الدستور، أما نحن الشعب الكوردي نجد بأن هذا الدستور بعيد كل البعد عن أهداف الثورة وحجم التضحيات ولن نقبل به أبدا يجب أن يكون الدستور لصالح جميع فئات المجتمع السوري كما يجب الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي واعتباره القومية الثانية من بعد العرب في البلاد، كما يجب الاعتراف بمبدأ الشراكة الحقيقية، وان يكون هناك القبول بنظام حكم لا مركزي وفيدرالية للجميع، لكي يضمن حقهم الطبيعي في الدولة السورية الجديدة. كما أن اسم الدولة عليها اشكالية كبيرة لأنها تمثل نظرة عنصرية بحق الآخر، لهذا يجب أن يكون اسم الدولة الجمهورية السورية وليست العربية السورية. لهذا يكمن الحل في إعادة صياغة دستور بمشاركة الجميع باستعانة خبراء في الفقه الدستوري ومشرّعين قانونيين ونخبة من المجتمع المدني لكي يكون دستور كامل وشامل يضمن للجميع حقهم في البلاد، هنا لا بد من الاشارة إلى أنه يقع على عاتق الحركة السياسية الكوردية المسؤولية وعدم القبول بدستور لا يضمن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، نتمنى أن نصل إلى توافق يرضي الجميع وان يكون سوريا الجديدة للجميع».