يوسف فخرالدين: النظام السوري كان يقف على بنية هشة ومتناقضة وفاقدة للشرعية
حاوره: عمر كوجري
تركّز حوار صحيفتنا «كوردستان» مع الباحث الفلسطيني السوري يوسف فخرالدين على الحدث السوري الأهم والأكبر وهو سقوط نظام البعث، وهروب رأس النظام إلى منفاه الجديد في روسيا، ونجاح السوريين في إسقاط النظام بعد حوالي أربعة عشر عاماً من الدمار والخطف والاعتقال والقتل الذي مارسه النظام لجميع مكونات الشعب السوري، وظل يمارس إجرامه حتى ساعة سقوطه في 8-12-2024 الذي سقط، وجعل العالم مهولاً من إرهابه في هدم بيوت السوريين على ساكنيها، وأذاق الموت لمئات الآلاف من السوريين في سجون الموت وعلى أعواد المشانق.
فيما يلي نص الحوار:
*بعد الترحيب، يشغل المراقبين انهيارُ النظام السوري يوم 8-12-2024، هل كان برأيك متوقعاً بهذا الشكل الدراماتيكي والسريع بعد استعصاء دام حوالي أربعة عشر عاماً؟
**بالرغم من استمرار رفع شعار "إسقاط النظام" من قبل مساحات في المعارضة، وأبرزها خلال العام الماضي من قبل حراك السويداء، ومن قبل شخصيات عامة، إلا أنه لم يكن هناك اعتقاد واسع بإمكانية سقوط سلطة الأسد. والحال أن المعارضة، عدا عن هذه المساحات، كانت مع معظم المجتمع المدني السوري تركز اهتمامها على الطلب من المجتمع الدولي الضغط على سلطة الأسد للسير في مفاوضات جدية بناء على القرارات الدولية ذات الشأن؛ والإفصاح عن مصير المعتقلين والمختفين قسرياً؛ وإطلاق سراح المعتقلين. ومطالبة الولايات المتحدة، وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، بإعاقة التطبيع المتزايد لبعض حلفائهم مع سلطة الأسد، ومن ضمنهم دول أوروبية، ومواجهة طلب إيطاليا والنمسا وقبرص والتشيك واليونان وكرواتيا وسلوفينيا وسلوفاكيا في رسالة موجهة لمسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل"، إعادة تقييم العلاقات مع سلطة الأسد؛ وإعادة سلطة الأسد للجامعة العربية على أنها ممثلة للدولة والشعب السوري.
فتباعاً منذ عام 2013 استقر في الوعي العام السياسي أن الولايات المتحدة لا تريد إسقاط سلطة الأسد لعدم وجود بديل مناسب بالنسبة لها. ولكنها بنفس الوقت منعتها من إعادة بناء نظام حكم مستقر، فتم تركيز الاهتمام على التفاصيل لا التغيير الجذري.
*برأيك لماذا تأخر السوريون كل هذه المدة العصيبة حتى أسقطوا نظام البعث؟
**أعتقد أن الثورة عام 2011 كانت إعلاناً عن أزمة في هذا النظام، وأن مجرياتها عمّقت هذه الأزمة ومن ذلك انقسام حزب البعث على نفسه بسبل التعامل معها، وانضمام عدد غير قليل منه إلى الثورة عبر مدخل محلياتهم، قراهم وأحيائهم. وأن النظام المسمى بهذا الاسم، سقط بشكل رسمي مع إعلان سلطة الأسد دستور عام 2012، حيث حذفت منه المادة الثامنة التي كانت تحدد أن حزب البعث قائد الدولة والمجتمع.
مع العلم أن دور الحزب في الدولة والمجتمع كان يتراجع منذ زمن ما قبل الثورة بتضافر عوامل عدة مع تنامي سلطة الفرد المطلقة، منها سقوط الاشتراكية كما تحققت في الواقع عالمياً والتحاق مشوّه لسوريا بالعولمة الاقتصادية نتيجة ذلك؛ حيث تمركزت رغم هذا الانضمام، وربما بفضله، على استئثار عائلة الأسد بالسلطة والمال عبر ثنائية الأجهزة الأمنية واقتصاد الأقارب والمحاسيب. وهو ما انعكس على بنية الحزب (والدولة والمجتمع)، حيث زادت الفوارق على كل الصعد بين أعضائه، فتوزعوا بين قلة مستفيدة وأخرى أكبر ضعيفة الاستفادة وكثرة متضررة من هذه التحولات حالها حال أغلب سكان سوريا. وهو ما ينطبق كما أشرت على بقية أجهزة الدولة، ما يفسر إمكانية الثورة التي حصلت، ثم الانهيار الواسع للنظام في 2011، والانهيار العسكري في 2013، وهو ما يسهم كذلك في تفسير انهيار ما تبقى من أجهزة سلطة الأسد في الأيام الأخيرة.
أما سبب عدم إسقاط سلطة الأسد طوال العقد المنصرم، بالرغم من أنها مع الوقت كانت تقف على بنية هشة، ومتناقضة، ومنهكة، وفاقدة للشرعية، فالسبب باعتقادي هو الدفاع الروسي الإيراني عنها، وعدم رغبة دول مؤثرة إقليمية ودولية بذلك، وتوافق هذا الدفاع مع قرار الولايات المتحدة بإبقائها لأسباب يطول شرحها؛ منها عدم رضاها عن المعارضة المسيطرة، والصراعات بينها، وتبعياتها، وما يمكن أن توجده كبديل للحكم، واستفادتها من الوضع في سوريا لإنهاك "حلف الممانعة" وإفقاده جمهوراً واسعاً لارتكاباته فيها.
*لماذا لم يقاتل الجيش السوري في «المعركة الأخيرة»؟ ولماذا لم تساند روسيا وحتى إيران النظام السابق، كما فعلت روسيا عام 2015؟
**أشار رئيس الوزراء الأخير لحكومة سلطة الأسد بعد هروب رئيسه أنه لا يعرف ماذا جرى بالضبط داخل وزارة الدفاع. والحري بنا أن نفعل مثله، ونحن أكثر بعداً منه بكثير عنها. وطالما أن التحليل السياسي يقوم على المعطيات، فالممكن حسب معطياتنا هو إجراء تحليل عام بانتظار انكشاف مزيد من المعلومات التفصيلية. والحال أنه لم ينكشف شيء عن الساعات الأخيرة قبل هروب بشار الأسد، وإنما عرف أن الأركان العامة كانت تعطي أوامر بالانسحاب لقواتها من أمام تقدم قوى المعارضة المسلحة، ودون قتال في كثير من الحالات، وكذلك حال عناصر الأجهزة الأمنية. ما يظهر أننا شهدنا عملية انهيار منظمة. وهو ما أثار الريبة، ودفع للكثير من التكهنات.
على الصعيد السياسي أجرى الرئيس الساقط مشاورات مكثفة بشكل شخصي مع روسيا وإيران في الأيام الأخيرة قبل سقوطه، وشارك وزير خارجيته في اجتماع عقد في العاصمة العراقية بغداد مع وزيري خارجية إيران والعراق. ولكن الدعم الذي كان البلدان الأخيران يعدان لإرساله اصطدم بقرار أمريكي بقصف أي إمداد قد يرسلانه. ولقد كانت الرسالة الأمريكية حاسمة لدرجة إعلان مسؤولين بالدولة العراقية، والحشد الشعبي، تراجعهم واحترامهم لخيارات الشعب السوري. وهو ما أسقط من يد إيران إمكانية القتال بوكلائها، ولم يظهر أن قادتها يمكن أن يتفقوا على التورط بشكل مباشر في سوريا لإنقاذ سلطة الأسد بجيشهم، أو حرسهم الثوري، في الوقت الذي هناك حرب إسرائيلية، أمريكية في الواقع، معلنة عليها في الإقليم بدت عاجزة عن التعامل الندّي معها. عداك عن الشكوك داخل النظام الإيراني، الذي لا يبدو موحداً بما يكفي على قرار الحرب، بأنه مخترق أمنياً بحيث يسهل إلحاق الهزيمة به.
وقيل إن بشار الأسد أرسل رسالة للرئيس الأمريكي المنتخب الذي كانت هناك توقعات قوية بأنه ينوي مشاركة دولة الإمارات في إعادة تعويم الأسد عالمياً وتمكينه من بناء نظام جديد، وعرض عليه أنه جاهز لتنفيذ كل ما يريدونه ولكنه أجابه أن الوقت تأخر.
والخبر الأخير، وبغض النظر عن صحته، يحمل فكرة جوهرية وهي تأخر سلطة الأسد في الاستجابة لطلبات بقيت ملحة لسنوات بإجراء تسوية سياسية. وبدل الاستجابة دفعته عنجهيته المرضية إلى الاعتقاد بأنه انتصر، وأن الوقت يسير لمصلحته، مستدلاً بما ابتدأت به كلامي عن انفراجات عرفها إقليمياً وأخرى دولية. ما جعله يحل الميليشيا الرديفة، ويقلم أظافر قادتها، ويسرح الاحتياط في الجيش، ويعلنه جيشاً للمتطوعين. وغيرها من إصلاحات لم يستطع أن يؤمن لها احتياجاتها المادية الكافية، فبقي جيشه مترهلاً، متعباً، مفقراً بمعظمه، بمعدات متآكلة. أي أن الحالة المتردية للجيش التي ظهرت بشكل انهياري منذ عام 2013، والتي حولته لقوى رديفة فعلياً للميليشيا الطائفية التابعة لإيران التي تزايدت في ذلك العام، والقوى الجوية الروسية منذ عام 2015، كانت تتعمق بالإصلاحات العرجاء. وبالنتيجة كان الجيش عاجزاً عن الدفاع عن الأرض الذي اشترطته روسيا لتستمر بدعمه، فأدار انهياره.
وهكذا وجد الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، المشغول في معركته المصيرية بأوكرانيا، حيث تكبد جيشه خسائر كبيرة للدرجة التي اضطر فيها للاستعانة بقوات من كوريا الشمالية، أنه أمام خيارين فإما يدير انهيار حكم سلطة الأسد في سوريا باحثاً عن تقليل الخسائر وتحصيل بعض المكاسب القابلة لإعادة الاستثمار، أو يدخل في الحرب البرية بشكل مباشر وهو ما يعاكس كل إستراتيجيته في سوريا؛ حيث اكتفى بتأمين الغطاء الجوي، وترك الحرب البرية للميلشيات التابعة لإيران، ومرتزقة "مجموعة فاغنر"، والميليشيات السورية الرديفة، وما يستطيع الجيش الأسدي تأمينه من قوة. فكان الخيار الروسي الاحتفاظ بشخص بشار الأسد، وعائلته الصغيرة، ولعب دور في انهيار منظم للجيش والأجهزة الأمنية. ويجدر الإشارة إن مثل هذا التكتيك أبقى دوراً ممكناً لروسيا، إن عبر حلفها الملتبس مع تركيا، أو عبر تطورات الصراع في سوريا.
*دخلت المعارضة السورية في عدد من المدن السورية وصولاً إلى دمشق دون إراقة دماء، برأيك كيف تم ذلك؟ وهل لهذا التطور علاقة بما يقال عن دعم أمريكي للمعارضة المسلحة؟ وهل هناك دعم أوروبي لما يجري.
**من المعروف أن ميليشيا جيش سوريا الحرة في شرق سوريا مرتبطة بالولايات المتحدة، وبشكل ما هذا حال غرفة عمليات الجنوب وإن كان هناك دور قوي فيها للإمارات العربية المتحدة. إلا أنه هناك غياب للكثير من التفاصيل اللازمة للجزم بطبيعة الدعم الأمريكي للقوى القادمة من الشمال الشرقي بقيادة هيئة تحرير الشام تحت عنوان إدارة العمليات العسكرية.
ما أصبح معلوماً هو أن الولايات المتحدة حمت تقدُّم قوات المعارضة المسلحة، من الشمال الغربي والشرق والجنوب باتجاه العاصمة دمشق، وإن حرصت بداية على أن يكون القادمون مع هيئة تحرير الشام هم آخر من يصل لها. ولفعل ذلك منعت دخول ميليشيا شيعية من العراق لإنقاذ سلطة الأسد، بعد أن كانت مع إسرائيل ألحقت هزيمة إستراتيجية بحزب الله في لبنان وسوريا، وأوصلت رسائل واضحة للدول أنها راضية عما يجري حتى لا يكون هناك اعتراض من حلفائها. كما أن هناك تسريبات، تبدو ذات مصداقية، أن خبراء أوكرانيين، بترتيب أمريكي، هم من درب مقاتلين من هيئة تحرير الشام على الطائرات دون طيار (الشاهين).
من جهتها تأخذ الدول الأوروبية موقع المراقب دون اعتراض علني عما يجري، ما يوحي بأنها تنتظر تطورات قد تقبلها إن حققت شروطها. وهذا بحالة هيئة تحرير الشام، المصنفة إرهابية غربياً حتى اللحظة، يمكن اعتباره نوعاً من الدعم المشروط.
هذه العلاقة، والحماية، الأمريكية، ورغبة هيئة تحرير الشام بالحصول على قبول إقليمي ودولي بحكمها، وطبعاً رفعها وقادتها عن قوائم الإرهاب، له دور كبير في سلوكها حتى الآن. يتضمن ذلك ضبطها النزوعات الثأرية، وجولة التطمينات التي تقوم بها.
*ما هو برأيك السبب الذي يقف خلف تغيير الولايات المتحدة موقفها من استمرار حكم الأسد؟
**ليس من الواضح تماماً إن كان ما شهدنا هو تغيير رأي أو أنه تسريع خطوات، ولكني أميل للاعتقاد بأن الضربة الإستراتيجية لحزب الله، وهو القاعدة المتقدمة لإيران والمقدم عندها بين الميليشيا الشيعية حد اعتبار الأمين العام السابق حسن نصر الله مؤثراً في النظام الإيراني داخلياً، بعد تصفية قائد فيلق القدس قاسم سليماني صانع وقائد شبكة الميليشيا الطائفية، وقادة آخرين في الحرس الثوري والميليشيات التابعة له، خلقت ظرف العوامل التي حسمت الرأي عند صاحب القرار الأمريكي بهذا الشأن.
ولقد لاحظنا أن بشار الأسد نحى نفسه عن حزب الله، وتركه وحيداً يواجه مصيره تحت الضربات الإسرائيلية المدعومة أمريكياً، معتقداً أنه بذلك ينال رضى الولايات المتحدة بينما تبين أنه لم ينل إلا رضى اليمينين المتطرفين الإسرائيلي والأمريكي في الوقت الذي بقيت المؤسسة الأمريكية على اعتقادها بحتمية رحيله. وهو ما يستوجب باعتقادي التفكير باحتمال إن كان انتصار "دونالد ترامب" في الانتخابات الأمريكية، واحتمال تغييره للسياسة الأمريكية في سوريا عبر دعمه لإعادة تعويم بشار الأسد، هو ما حدا بالرئيس المنتهة ولايته "جو بايدن" لتسريع إسقاطه.
*- في سوريا فسيفساء جميلة من الاثنيات والطوائف، والقومية الكردية هي الثانية تعداداً، وقد تعرضت للكثير من الظلم والإنكار السلطوي. هل تتوقع أن تنصفهم السلطة القادمة؟
**حتى الآن من غير الواضح سياسة الهيئة بهذا الخصوص، كما الكثير من شؤونها الأخرى. ونتيجة هذا الغياب، فأعتقد أن مصير الكرد في سوريا مرتبط بنتائج إنجاز الحوار الكردي الكردي، وتأسيس خطاب سياسي واقعي موضوعي وتشكيل وفد مشترك يمثل الكرد، ولعل من المحبط بهذا الخصوص فشل القوى الكردية في سوريا بالنجاح في حوار فيما بينها، والوصول لورقة سياسية مشتركة حتى تستطيع خوض هذا الاستحقاق بشكل مشترك، ومنه إنتاج تحالف سوري ديمقراطي واسع.
*كيف ترى المجريات السياسية الحالية في العاصمة دمشق؟ وهل تتوقع أن تنجح هيئة تحرير الشام في مسعاها للحكم، أم أن دورها مؤقت؟
**برأيي كل ما يحصل مقلق، حيث نشهد مساراً استئثارياً جديداً نهدد ممن يؤيده، على مثال تهديدات موالاة الحكم المنهار، بأن لا نضغط عليه بمطالبنا حتى لا يستفيد الأشد تطرفاً فيه. ونعلم أن لقاء الحكم الاستبدادي في بلادنا مع دعوييه الانتهازيين حتمي، فهذه سنة مضى عليها قرون وليست بجديدة.
لسبب ما يزال مجهولاً يتصرف أحمد الشرع، الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، كحاكم مطلق متفرد دون اعتراض جدي من قوى المعارضة الرسمية، ولا من قبل الدول الداعمة للمعارضة. وهو ما قد يوحي بأنهم بانتظار أن يطبق اتفاقيات تعهد بها مسبقاً. ولكن تجربتنا مع هذه المعارضة، ومع هذه الدول، ومعرفتنا بـ"البرغماتية" الدموية للجولاني، أو بدقة منهج "التمكين السلفي" وحوامله الفقهية السلفية، التي اختبرناها في كل المناطق خارج سيطرة سلطة الأسد التي كان لهيئة تحرير الشام وجود فيها، لا يجعلنا نطمئن إلى احتمال أننا قد نشهد أي شكل من التحول الديمقراطي. بالعكس من ذلك تذهب تطمينات قادة سلطة الأمر الواقع بدمشق إلى تقسيم السوريين إلى طوائف، والوعد بتعهيدها لرجال الدين فيها، وإشراكهم في بطانة الحكم كممثلين عنها. وهذا أبعد ما يكون عن مطالب السوريين المكثفة بالحرية، وعن شعار "الشعب السوري واحد"، حيث تسعى الهيئة لتقسيم السوريين سياسياً لطوائف مغلقة قائمة على رجال الدين وهو ما يرقى حتى ليكون ديمقراطية طائفية على المثال اللبناني.
كما شهدنا تجاهلاً مستمراً لمطلب عقد مؤتمر وطني ديمقراطي ينتج عنه حكومة مؤقته، وإعلان دستوري مؤقت في أول أعماله، ومشروع دستور للاستفتاء العام بآخره، وبدلاً منه كلف أحمد الشرع دون شرعية حكومة مؤقتة تابعة برئاسة رئيس حكومته الإسلامية في إدلب محمد البشير مع تصريح بأن الحكم سيكون إسلامياً.
وكل ما سبق في عجالتنا، وغيره مما نتابعه، يطرح سؤال العمل الديمقراطي في سوريا، في مقابل سؤال نجاح هيئة تحرير الشام وزعيمها بفرض حكمهم الإسلامي التفتيتي لسوريا والسوريين. وهو ما أنتج للإجابة عنه 25 بياناً من المجتمع السياسي والمدني الديمقراطيَّين، تضمنوا مطالب واضحة بالديمقراطية والمواطنة، والحقوق القائمة على القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان، وما يشبه ذلك.
وكما تعلم هناك تحديات مركبة بسوريا لا يمكن التعامل معها بخفة، فالتعدد السوري الذي يمكن لنظام ديمقراطي أن يجعله نعمة لسوريا يمكن أن يدفعه نظام تمييزي ضعيف إلى الانفجار، تحديداً إن تلاقى الإحباط مع مصالح إقليمية وربما دولية تتعارض مع سلطة الأمر الواقع الجديدة في دمشق. وعلينا ألا ننسى أن شبكات سلطة الأسد، ومنها الأمنية والعسكرية، والتي اختفت، لم تذهب إلى العدم وإنما هي قابلة لإعادة التشكل بالتفاعل مع الفشل بتحقيق نظام المواطنة الديمقراطي، وزيادة عدد المتضررين من النظام الجديد، والاستمرار بتجاهل المعارضة الديمقراطية، والشراكة الوطنية الديمقراطية.
وإذا كان الطريق طويلاً للوصول لنظام ديمقراطي قابل للتطور ولو التدريجي، قادر على جمع السوريين كمواطنين متساوين، والجغرافيا السورية، بالتراضي، وبآليات ديمقراطية، قادر على البدء بمسيرة العدالة الانتقالية، وعملية إعادة الإعمار للناس وعمرانهم، فإن قدرة الديمقراطيين على التحول لتيار سياسي نافذ هو شرط لازم لا غنى عنه للضغط على سلطة الأمر الواقع، ولتشكيل بديل وطني ديمقراطي من أول أولوياته بناء مسار لأصحاب المصلحة بهذا النظام يضبط النضال السلمي الديمقراطي، ويضعف احتمالات التصادم بين السوريين.
يوسف فخرالدين – بروفايل
-باحث فلسطيني سوري، تولد دمشق عام 1971 مدير مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية.
-منسق البحث في المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية.
-شارك في –وأشرف على- سلسلة من الأبحاث والدراسات والتقارير وتحليل السياسات، ومن إسهاماته "ورقة تفكير: في استراتيجية مشاركة المجتمع المدنيّ السوريّ السياسيّة".
-ومن الكتب التي شارك فيها: استراتيجية سلطة الاستبداد في مواجهة الثورة (إعداد وتحرير يوسف فخر الدين، تأليف مجموعة كتاب).
-أنتج مجموعة دراسات على شكل كتب، منها بالمشاركة مع آخرين، ومنها كان مديرَ مجموعة بحثية، ومن هذه الأعمال: "اللاجئون الفلسطينيون في المحنة السورية"، و"سوريا: عصر أمراء الحرب وعودة الحمايات والوصايات (1) الميليشيا الشيعيّة"، و"التكامل القاتل - تنظيم القيادة العامّة ولواء القدس"، و"التوظيف في الصراعات الضدِّيّة (1) سلطة الأسد وتنظيم الدولة الإسلاميّة في محافظة السويداء"، ومقدمة في مناهج البحث العلمي الاجتماعي، جيش التحرير الفلسطيني في الحرب السورية، و"جريمة بعنوان: إعادة الإعمار".