المزة من أم البساتين إلى أم القصص
صالح محمود
لقد كانت المزة قرية قديمة تعود إلى العهد الروماني، وبعد الفتح الإسلامي لدمشق سكنت قرية المزة قبائل يمانية من بني كلب فسميت ( مزة كلب) أما اسم المزة فهو يوناني في أصله ومعناه الرابية، ويقال إنها سميت بالمزة نسبة للصبارة الحلوة التي اشتهرت بها حواكير المزة، ويقال إن المارة كانوا يأكلون الصبارة، ويقولون مزة، يعني طيبة.
حادثة غريبة الى حدٍ كبير حدثت في حي المزة (الشيخ سعد)،عائلة كردية فقيرة من ريف حلب تسكن بيتاً من طين وتعيش على الكفاف، وهي تتألف من أب وأم وفتاتين صغيرتين في عمر الصبا، ولهما أخ شقيق متزوج يسكن مع زوجته وأولاده في ريف حلب، والغريب في الأمر إن هذا الأخير كان لديه من ضمن أفراد عائلته ولد وبنت والاثنان في حالة شلل كامل، وأعمارهما بحدود العاشرة أو أكثر، لقد كان الولد في حضانة الجد والجدة اللذين يسكنان في حي المزة شيخ سعد، وكان هذان الأخيران يشرفان على علاجه والعناية به مع إمكانياتهما المتواضعة، أمّا الفتاة المشلولة فكانت في عهدة وحضانة أبيها في ريف حلب، والأمر الغريب الذي حدث هو إن الولد المشلول قد وقع مريضاً قبل أيام من كتابة هذه الأسطر، وساءت حالته جداً مما استلزم إدخاله إلى مشفى الأطفال الكائن في الحي نفسه لتقديم العناية والعلاج اللازم له وقد ساءت حالة الفتاة أيضاً وتزامنت مع سوء حالة أخيها ووقعت مريضةً هي الأخرى وأدخلوها إلى مشفى قريبٍ من حيهم هناك في حلب، وبالرغم من تقديم العناية والرعاية اللازمة لها إلا أن وضعها الصحي ازداد سوءاً وظهر عليها الإعياء الشديد والتعب جرّاء احتباس السوائل في جسدها، وفارقت الحياة في ليلةٍ شتوية عاصفة وباردة بعد رحلة عذاب طويلة ومعاناة كبيرة مع المرض ولم يمضِ على وفاة الفتاة سوى يومين فقط حتّى لحق بها شقيقها متأثراً بالأعراض المرضية نفسها.
هل حدثت هذه المزامنة بالوفاة بالمصادفة أم إنّ هناك سراً خفياً وسبب غامض لم يتوصل إليه العلم، ولم يكتشفه بعد؟ لقد صعدت روح الاثنين إلى السماء في مدة زمنية لا تتجاوز ثمان وأربعين ساعة، فما سرّ العلاقة بين روح هذين الطفلين البريئين؟ وليكن في المعلوم إنّ الطفلين ليسا توأمين، وفي العادة التوائم لديهم قصص وحكايات غريبة.
إن مثل هذه الحوادث قد وقعت وتكررت كثيراً في الماضي وقد اعتدنا أن نسمع قصصاً غريبة من هذا القبيل.
وفيما مضى من السنوات سمعت بحادثة غريبة وقعت وهي شبيهة بهذه الحادثة إلى حدٍ كبير، فالحادثة تتعلق ببعض أنواع الشجر في هذه المرة وهي تتلخص أن نوعاً من أنواع الورود قد ذبلت في فرنسا في أواخر القرن الماضي في معرض للزهور في حديقة مخصصة لمثل هذه المناسبات، و دون سبب واضح أو معلوم وقد أصبح هذا الأمر هاجساً قوياً وإشكالية عند بعض العلماء والمختصين مما ولّد لديهم رغبة شديدة لمعرفة أسباب ذبول هذا النوع من الورود، ولكنهم تعبوا وعجزوا عن إدراك السبب الرئيسي وراء ذلك للوهلة الأولى، وتبين فيما بعد إنّ هذه الورود مستوردة من أمريكا اللاتينية وإنها هناك وفي موطنها الأصلي قد أُصيبت بآفة خطيرة وذُبلتْ ورغم بعد المسافة بين أمريكا اللاتينية وأوروبا إلا إن هذه الموجودة في فرنسا أيضاً ذُبلتْ وماتت، ولابدَّ إنّ هناك رابطاً عضوياً وعلاقة حيوية متينة بين هذه الورود أينما وضعت أو زُرعتْ.
للأرواح لغة لم نفهمها ولم نتعلمها بعد وهي لغة صامتة وخفية، لغة من نوع آخر، فاللغة ليست فقط تلك التي اعتدنا عليها والتي نتداولها في كل لحظة، ففي قادم الأعوام سيكتشف العلم أشياء كثيرة غامضة تحدث في وقتنا الحالي، وبالرغم من التطور العلمي الهائل والعظيم إلا إنّ هناك مساحة واسعة من الأشياء يغلّفها المجهول والغموض، وما أوتينا من العلم إلا قليلا ولله في خلقه شؤون، والإنسان مازال تائهاً وضائعاً رغم العمر الطويل للبشرية.
إنّ هذه العائلة كردية ومعروف عن الكورد إنّ حيواتهم وعوالمهم غريبة ومختلفة والروح مازالت غامضة وهي من أمر الربّ، فالروح التي سكنت جسد هذين الطفلين اللذين توفيا والروح التي سكنت في جسد الوردة والروح التي تسكننا هي أرواح متقاربة ولها جذر واحد، وهناك شيء ما تربطها ولكن الوعي والإدراك البشري لم يتوصل بعد إلى حقيقة ومغزى هذه الأرواح.