آفاق التّسوية في النزاع السّوري
تورين شامدين
في خضم التحولات الإقليمية والدولية المستمرة، تعود الأزمة السورية إلى الواجهة من جديد عبر اجتماع رباعي مرتقب بين روسيا وتركيا وسوريا وإيران. هذا الاجتماع، الذي من المتوقّع أن يُعقد نهاية هذا الشهر أو مطلع الشهر المقبل، يأتي في إطار الجهود الرامية إلى تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق. وتكشف هذه الخطوة عن رغبة الأطراف الفاعلة في إعادة ترتيب الأوراق في سوريا، وقد تنوي روسيا طرح فكرة اعتماد النظام الفيدرالي كحلٍّ سياسيٍّ للنزاع المستمر منذ عام 2011.
تلعب روسيا دوراً مركزياً في الصراع السوري منذ تدخلها العسكري في عام 2015 لدعم نظام الرئيس بشار الأسد. وقد ساعد هذا التدخُّل في قلب موازين القوى لصالح النظام السوري، مما عزّز من نفوذ موسكو في المنطقة. اليوم، يأتي الاقتراح الروسي بعقد اجتماع رباعي كجزء من محاولاتها للحفاظ على هذا النفوذ والتأكيد على دورها كوسيط أساسي في أي حل سياسي مستقبلي.
من خلال اقتراح النظام الفيدرالي لسوريا، يبدو أن موسكو تبحث عن صيغة للحفاظ على وحدة البلاد، وفي الوقت نفسه، استيعاب التنوع العرقي والمناطقي الذي قد يكون مصدراً للاستقرار في حالة إدارته بشكل صحيح. هذا النموذج يمكن أن يساعد في تحقيق توازن بين السلطات المركزية والمحلية، وهو أمر قد يناسب روسيا في إطار سياساتها الخارجية التي تسعى إلى ضمان وجود أنظمة حليفة ومستقرة في مناطق نفوذها.
من جهة أخرى، تشكّل تركيا أحد الأطراف الأساسية في هذا الاجتماع، حيث تمتلك مصالح قوية في سوريا، تتراوح بين القضايا الأمنية والتحديات المتعلقة باللاجئين. منذ بداية الأزمة، دعمت أنقرة قوى المعارضة السورية وسعت لإسقاط نظام الأسد، إلا أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك القضايا الداخلية والخارجية، دفعت تركيا إلى إعادة النظر في موقفها.
التحدي الأكبر الذي يواجه تركيا في سوريا هو المسألة الكردية. تسعى تركيا من خلال هذا الاجتماع إلى تطبيع العلاقات مع دمشق على أمل التوصُّل إلى حلول أمنية قد تضمن لها القضاء على التهديد الكردي، واستعادة جزء من علاقاتها التقليدية مع سوريا. كما أن تحسين العلاقات قد يسهم في تخفيف العبء المتزايد للاجئين السوريين في تركيا، وهو ملف حساس داخلياً في ظل الانتخابات المقبلة.
أمّا إيران، فهي تعدُّ حليفاً استراتيجياً للنظام السوري منذ بداية النزاع. وجودها في هذا الاجتماع يشكل تأكيداً على رغبتها في الحفاظ على نفوذها الإقليمي وحماية مصالحها في سوريا، والتي تشمل النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي. طهران شاركت بفعالية في دعم النظام السوري ضد المعارضة والجماعات المسلحة، وتسعى الآن إلى تأكيد دورها في أي تسوية سياسية، وضمان استمرار حلفائها في السلطة.
بالنسبة لإيران، سوريا ليست مجرّد حليف سياسي بل هي جزءٌ من ممرٍّ استراتيجي يصل بين طهران ولبنان عبر العراق وسوريا، مما يتيح لها تعزيز قدراتها في مواجهة خصومها الإقليميين مثل إسرائيل والسعودية.
النظام السوري، الذي واجه تهديدات متعددة لبقائه منذ عام 2011، يبدو مستعداً لأي حوار قد يساعده في استعادة السيطرة على كامل البلاد. ومع ذلك، فإن النظام الفدرالي الذي تطرحه روسيا قد يثير بعض التحفُّظات داخل دمشق. الأسد يسعى إلى الحفاظ على قبضة مركزية قوية على البلاد، وأي تقليص لهذه السلطة لصالح الفدرالية قد يُعتبر تهديداً لوحدة الدولة وسيادتها.
مع ذلك، قد يجد النظام السوري في الفيدرالية حلاً لتخفيف التوترات الداخلية، وخاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية. إذا تم تنفيذ هذا النموذج بشكل يُرضي جميع الأطراف، فإنه قد يسمح للنظام بالاحتفاظ بالسيطرة على الأجزاء الحيوية من البلاد، مع منح الأقاليم المختلفة درجة من الحكم الذاتي.
هذا الاجتماع الرباعي يعكس تحولاً في التفكير الدبلوماسي الإقليمي، حيث تسعى الدول الرئيسية الفاعلة إلى إيجاد حلول سياسية بدلاً من استمرار الصراع المسلح. أهمية هذا الاجتماع تكمن في قدرته على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتباينة والمساهمة في تحقيق تسوية دائمة للنزاع السوري.
ومع ذلك، فإن هناك عدة تحديّات قد تعيق نجاح هذا الاجتماع. أولاً، التباين في مصالح الأطراف، خاصة بين تركيا وسوريا، حيث تظل مسألة الكرد عقبة رئيسية في طريق التوصُّل إلى اتفاق شامل. ثانياً، هناك تحديات داخلية في سوريا، حيث قد يواجه النظام الفدرالي مقاومة من النظام السوري نفسه إذا شعر بأنه يهدد سلطته المركزية.
ثالثاً، الغياب الأمريكي عن هذا الاجتماع قد يطرح تساؤلات حول فاعليته. الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري في المناطق التي تسيطر عليها "قسد"، ولها مصالح استراتيجية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بمواجهة النفوذ الإيراني. غياب التنسيق الأمريكي قد يحد من قدرة الأطراف على تحقيق تقدم ملموس.
النظام الفيدرالي المقترح قد يكون حلاً مناسباً لسوريا إذا تم تطبيقه بطريقة صحيحة. الفيدرالية قد تسمح بتحقيق الاستقرار في بلد مزقته الحرب من خلال توفير حكم ذاتي للأقاليم المختلفة. هذا النموذج قد يُرضي المكونات العرقية والطائفية المختلفة، ويقلل من حدة التوترات بين النظام والمعارضة.
ومع ذلك، فإن الفيدرالية قد تواجه صعوباتٍ في التنفيذ، خاصة في ظل الخلافات العميقة بين الأطراف السورية المختلفة. تطبيق النظام الفدرالي يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وضمانات دولية، وهو أمر قد يكون صعب التحقيق في ظل تعقيد النزاع السوري.
يُمثّل الاجتماع الرباعي بين روسيا وتركيا وسوريا وإيران خطوة هامة نحو تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق وإيجاد حل سياسي للنزاع السوري. اقتراح روسيا للنظام الفدرالي يعكس محاولتها تقديم رؤية تسوية متوازنة تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الاجتماع يعتمد على قدرة الأطراف على تجاوُز خلافاتهم الداخلية والإقليمية، والتوصل إلى حلول عملية تضمن استقرار سوريا وإعادة بنائها.
من المرجح أن يستمر الدور الروسي في تعزيز نفوذه الإقليمي من خلال مثل هذه المبادرات، لكن نجاح هذا النهج يعتمد على التنسيق مع القوى الدولية الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، وضمان تنفيذ الحلول المقترحة بطريقة تلبي تطلعات الشعب السوري وتنهي معاناته.