جگرخوين .. مشكاة نهتدي بها في ليل كُردستان الطويل

جگرخوين .. مشكاة نهتدي بها في ليل كُردستان الطويل

علي جزيري

يقول هنري بيل (ستندال): «يعيش النابغة دوماً بين صفوف الشعب، كما الشرارة في الصَّوَّان، حيث يكفي تلاقي الظروف لتندلع الشرارة». إن صح هذا القول، فله وقع خاص في حياة جگرخوين، الذي لم تفلح الدروب الشائكة وشراسة الاقطاع وبعض رجال الدين، ممن لم يبخلوا في محاربته وإطفاء جذوة النضال المتقدة في أعماقه، بغية النيل من عزيمته قيد أنملة، فاختار طريق الأحرار لبناء غدٍ مشرقٍ ينعمُ الكُرد فيه بحقوقهم أسوة بسائر الشعوب.
ارتاد جگرخوين منذ نعومة أظفاره الكتاتيب الدينية، لكنّه تحرّر من قيودها بعد مخاضٍ عسير، ولهذا التحوُّل النَّوعي حكاية من الضرورة بمكان الإشارة إليها لتوضيح الخلفية التاريخية لهذا التحول. فحين التقيتُ به، قبل أن يهاجر إلى السويد، سألته عن مسببات ذاك الانعطاف، فأجاب ببساطته المعهودة والممزوجة بالدعابة: تبين لي أن معظم القائمين على الدين يقولون ما لا يفعلون، وهذا تعارض مع ما توحي إليه آيات القرآن التي تدعو إلى اقتران القول بالعمل الصالح دوماً. وأضاف: ألا ترون أن التسويف على اليوم الآخر لمحاسبة الظالمين والطغاة، يجهضُ آمالَ المقهورين للمضي قُدُماً في نيل حقوقهم؟
عقب لوزان، وإخماد انتفاضات الشيخ محمود الحفيد من قبل الإنكليز، والشيخ سعيد من قبل الكماليين وغيرهما، بوحشية يندى لها الجبين، وإجهاض جمهورية مهاباد، زاد إحساس جكرخوين بالغبن، بيد أن ثورات بارزان المتتالية كانت مرحلة نهوض ثوري لحركة التحرر الكُردية عامة، مما بعثت الأمل في نفوس الكُرد، وفي مثل هذا المناخ تبلور وعيه القومي، فأبدع قصائده المنبثقة من محنة أمته، بعد أن نسجها من آلام شعبه وآهات المظلومين من أمثاله وشحنها بمحتوى معاصر، فأتاحت له تعرية الواقع بعجره وبجره، مما كان له دور بارز في استنهاض الهمم مجدداً.
نهل جكرخوين من منابع الأدب الشفاهي، وأجاد استخدام الفكاهة الساخرة كما في قصيدة (ولاتێ چرتۆ وڤرتۆ)، وتحصن بالجانب النيِّر من التراث، كما تكللت قصائده بالحكم والأمثال التي يتداولها الكُرد في مجالسهم، تلك التي تعكس نزعةَ الاحتجاج في مواجهة النير القومي، والمُعبّرة عن معاناة عامة الناس ونزوعهم للتحرُّر من الجور والذود عن قضايا أمتهم. لكن من أهم المآخذ التي تؤخذ عليه في إطار المضمون، آفة الأدلجة السائدة يومذاك التي ابتلينا بها جميعاً، كما شاب أسلوبه قدر من الخطابية والتقريرية والاستسهال، ناهيك عن التوفيقية في (سالار وميديا).
لكن جگرخوين كان ثاقب النظرة في رؤيته السديدة لرسالة الفن، التي لا تنتهي بمعرفة الواقع بل في تغييره، فمضى يحثُّ الكُرد على طلب العلم والتسلُّح بالمعرفة، فها هو يخاطب القلم: ثمنك زهيد.. ثلاثة أو أربع فرنكات.. لكنك أمضى من البواريد والقنابل والدبابات.. دواء القنابل والبواريد هو الهروب.. أما جروحك أيها القلم فمن المحال أن تلتئم.
كما تناول قضايا المظلومين فأشاد بنضال العمال والفلاحين والمرأة الكُردية، وراح يندد بسياسة التمييز العنصري ضد الزنوج كما في قصيدته (أيها الرفيق بول روبسن): أيها المغني العالمي.. عبر البحار ومن فوق الجبال، يحضرنا لون بشرتك السوداء.. لا يُضطهد الزنوج فقط.. بل ها نحن أيضاً. رحل جگرخوين في أوج العطاء، وخسر الكُرد والبشرية التقدمية الكثير برحيله.