القضية الكوردية واستقلالية القرار السياسي
شكري بكر
لا يختلف اثنان على عدالة ومشروعية القضية الكوردية في المنطقة بكونها قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية في جميع الأجزاء. من هنا فإن الكورد في سوريا ليسوا بضيوف على سوريا ولا بمهجرين من منطقة ما والإقامة في مدن سورية، كحلب، ودمشق، والحسكة وكذلك في منطقة الساحل السوري في محافظة اللاذقية وحماة وإدلب.
فالحديث عن استقلالية القرار السياسي الكوردي في سوريا ليس بجديد، وإنما تم طرحه في منتصف ستينيات القرن الماضي، إبان انقسام العالم إلى قطبين أو معسكرين، الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والرأسمالي الذي كان تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.
مع انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية تسعينيات القرن الماضي يكون قد دخلنا مرحلة جديدة، والتي عرفت بأحادية القطب في قيادة العالم، من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبنت نظرية العمل على إقامة نظام عالمي جديد، وبناءً على ذلك عملت الولايات المتحدة على هذا الأساس، حيث تبنت نظرية الديمقراطية في حل جميع القضايا العالقة حول العالم.
نحن الكورد جزء من هذا العالم، فالعالم في تغيير، فمن أولى مهامنا أن نواكب هذا التغيير ونتأقلم معه إلى كبير ، خاصة وأن الشأن الكوردي راهنا يختلف عما كان عليه في السابق، وأول بوادر هذا الخلاف يكمن في انتقال القضية الكوردية إلى المحافل الدولية والعديد من المحافل الإقليمية بما في ذلك منصات الدول المقتسمة لكوردستان على حد سواء .
بعد كل هذه التطورات التي طرأت على المنطقة نعود مرة أخرى طرح مفهوم إستقلالية القرار الكوردي .
يا ترى في غضون هذه المتغيرات، ما المقصود بإستقلالية القرار الكوردي؟
الإستقلالية عن ماذا ؟ عن المحور الكوردستاني أم عن المحور الإقليمي أم عن المحور الدولي؟ إذا كان المقصود باستقلالية القرار عن المحور الكوردستاني هو أكبر خطأ يقع فيه أولئك المطالبون باستقلالية القرار، لأنه هو بتر لأطرافه ويجعلون من أنفسهم لقمة سائغة لدى أعداء الكورد، وكذلك إذا كان المقصود باستقلالية القرار عن المحور الإقليمي فإن هؤلاء لا يفقهون السياسة، لأن الدول المقتسمة لكوردستان ليسوا على وئام عما كانوا في الماضي، على سبيل المثال سقوط نظام صدام حسين، والإتيان بنظام ديمقراطي برلماني تعددي فيدرالي، ودخول النظام السوري في أزمة يصعب الخروج منها إلا عبر إقامة نظام ديمقراطي على غرار العراق الدولة الجارة .
في هذا الصدد يمكننا القيام بقراءة بسيطة لوقائع الأحداث في كل من كوردستان العراق وكوردستان سوريا نرى بأن قادة سلطة الإقليم يتمتعون بعلاقات جيدة ومتبادلة مع جميع الدول الإقليمية، هل هذه العلاقة تدخل في خانة العمالة؟
أم أنهم يفقهون السياسة؟
أما في الشأن الكوردي في سوريا فإن أي علاقة مع أي دولة من الدول الإقليمية فتدخل تلك العلاقة في خانة العمالة من وجهة نظر البعض معبرين بالقول إن قادة الحركة الكوردية في سوريا لا يفقهون السياسة، ماذا نفهم من ذلك؟
نفهم من ذلك نقطتين: شأن الإقليم أكثر أمنا واستقراراً لوجود قوة عسكرية منظمة ومدربة، ألا وهي البيشمركة ومقاومته لسياسات النظام العراقي المقبور صدام حسين لسنوات عديدة، بالإضافة إلى امتلاكها لقوة اقتصادية قادرة بالاعتماد على الذات والدفاع عن ذاتها من أي خطر خارجي يهدد أمن واستقرار الإقليم.
أما في الحالة الكوردية في سوريا التي تنطلق من رؤى سياسية في التعامل مع محيطها السوري الوطني والإقليمي والاستفادة من تلك التناقضات بين الدول الإقليمية وخاصة المقتسمة لكوردستان، وبناء جسور تمكّنها من تثبيت أقدامها على أنقاض تلك التناقضات واستثمارها ووضعها في خدمة القضية الكوردية في سوريا.
فمقولة استقلالية القرار السياسي الكوردي في سوريا إن دل على شيء إنما يدل على أمر واحد هو عدم تكرار تجربة الإقليم وإسقاطها في إقليم كوردستان سوريا .
المقصود بالقرار السياسي الكوردي المستقل في سوريا هو العمل على ثقافة التشتت والانقسام والتشرذم في صفوف الحركة الكوردية، وتجزئة البيت الكوردي الكبير أو الرئيسي وجعله بيوتا صغيرة وضعيفة لا حول ولا قوة لها.
نعم ما يعمل به هؤلاء المطالبون باستقلالية القرار الكوردي هي ثقافة الانقسام والتشرذم، والابتعاد عن المحور الكوردستاني والمشروع القومي الكوردستاني الذي يقوده الرئيس مسعود بارزاني معاً، ومنعاً لتحقيق ثلاثة أهداف:
1 - وضع العراقيل أمام مشروع وحدة الحركة الكوردية في الخاص أو في العام.
2 - وضع العراقيل حول إنجاز المشروع القومي الكوردي أو الكوردستاني بحق تقرير المصير للشعب الكوردي في المنطقة.
3 - وضع العراقيل أمام عقد مؤتمر قومي كوردستاني في الدعوة لتوحيد النضال القومي الكوردستاني المشروع لنيل الحرية والكرامة.