الطامة الكبرى على إيران وأذرعها

 الطامة الكبرى على إيران وأذرعها

دوران ملكي

استقبل نجاح الثورة الإسلامية التي قادها الخميني في إيران بمباركة محلية وإقليمية وغربية. فمن مكان إقامته في باريس تم نقله بطائرة فرنسية إلى طهران ليس كرهاً بـ شاه إيران محمد رضا بهلوي وإنما لتنشيط المذاهب الإسلامية المتصارعة، فقد كانت الغلبة السائدة للمذهب السني، وبقية المذاهب متنحية، وطالما خاف الغرب من سيطرة المذهب السني الذي يقوده الكتاب والسنة النبوية بخلاف المذاهب الأخرى التي تقودها الأئمة، وهو ما يثير قلق الغرب من ظهور صحوة توحد العالم الإسلامي وتقف بالضد من مصالحهم.
بادئ ذي بدء حظي إقليمياً بمباركة النظام السوري ومدّت العلاقات معه رغم معارضة أقرانه في جامعة الدول العربية، وبدأت بالفعل بذور الطائفية بالإنتاش وامتد إلى لبنان بحكم تواجد الجيش السوري، وتم دعم الشيعة في لبنان بالمال والسلاح من قبل النظامين السوري والإيراني، وتم نقل الآلاف من الشيعة من إيران وتم منحهم الجنسية اللبنانية، وتم تقويتها إلى أن حصلت في اتفاق الطائف على أحد الرئاسات الثلاثة وهي رئاسة البرلمان.
في سوريا استلم زمام القيادة للتوجه الطائفي شقيق الرئيس جميل الأسد، وأسس على الفور منظمة الإمام المرتضى كمنظمة رديفة لحزب البعث الحاكم، وتم حمايتها وتسيير أمورها من قبل الدوائر الأمنية في المحافظات وخاصة بعد حركة الإخوان المسلمين عام ١٩٨٠، وتوجهت إلى الأقليات العرقية من كورد ودروز وشركس وغيرهم، ومدّت الجسور مع طائفة العلويين في تركيا مستفيدة من علويي لواء إسكندرون، وقامت ببناء الحسينيات.
قام الخميني بوضع مفهوم تصدير الثورة، وأول من صدر لهم شيعة العراق وتم استغلالهم واستخدامهم في زعزعة استقرار العراق إبان الحرب العراقية الإيرانية، ومن ثم ظهرت الحركات الشيعية في جميع دول الخليج وحتى اليمن، وزاد من قوة هذه الحركات حصول إيران على تكنولوجيا الصناعة الحربية المتطورة في فترة انهيار منظومة الدول الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي وانتقال الكفاءات العلمية إلى الدول المجاورة، وبالفعل استطاعت أن تصنع الصواريخ البالستية والطائرات المُسيّرة والدخول في مجال السلاح النووي.
استطاعت إيران السير على خطى صلاح الدين الأيوبي، إذ اعتبر القدس قضيته المركزية ليدغدغ مشاعر المسلمين بتحرير ثاني القبلتين ومشاعر العرب بتحرير فلسطين، وبذلك تفرض سيطرتها على العالمين العربي والإسلامي، وهذا ما أحدث تخوفاً لدى الدول ذات المذاهب السنية إلى الارتماء في أحضان الغرب بغية حمايتها من التمدد الشيعي.
يقوم الغرب بسياسة التوازنات بين الطوائف الإسلامية المتصارعة، فعندما انتقل الإرهاب المتمثل في القاعدة إلى العراق في فترة تواجد القوات الأمريكية أقر الرئيس الأمريكي باراك أوباما الانسحاب من العراق وتسليمها لإيران والميليشيات الموالية لها كلقمة سائغة، واستطاعت إيران وميلشياتها بعد القضاء على داعش على التمدد في مناطق السنة والوصول إلى الحدود السورية والأردنية والسعودية وإلى المناطق المتنازع عليها المتاخمة لحدود إقليم كوردستان، بهدف تهديد إقليم كوردستان والسيطرة على الطرق الدولية السريعة وسكة الحديد ما بين العراق وسوريا والوصول إلى جبل سنجار الذي كان يستخدمه صدام حسين في إطلاق صواريخ الحسين على إسرائيل، وفتح ثغرات في الحدود السورية العراقية شرق الفرات مستغلة تواجد ميليشيات pyd الموالية لحزب العمال الكردستاني، إلا أن تواجد القوات الأمريكية في شرق الفرات حدّت من ذلك فاضطرت بالتعاون مع الجيش السوري إلى فتح معبر البوكمال ليتسنى لها دعم المليشيات الشيعية في سوريا ولبنان، وبدأت بإرسال خبرائها في صناعة الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية إلى جنوب لبنان واليمن وقطاع غزة ليتم صناعتها في تلك المناطق.
اندحار قوات داعش في كلٍ من سوريا والعراق باستثناء بعض المناطق في الصحراء السورية وملاحقة قوات التحالف لقياداتها باتت الساحة مفتوحة أمام إيران لتشكيل الهلال الخصيب، وباتت إيران قائداً فعلياً للعراق وسوريا ولبنان واليمن، واستطالت أظافر أذرع إيران فانتقلت حركة حماس من موقع الدفاع إلى الهجوم تحت مسمى طوفان الأقصى، وساعدتها إيران وحزب الله من لبنان وسوريا ومن الجنوب القذائف الصاروخية التي تطلقها المنظمة الحوثية في اليمن وقطع الملاحة في البحر الأحمر، مما استدعى التدخل الفوري من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا لمنع حصول حرب شاملة في المنطقة، وذلك بنقل البوارج وحاملات الطائرات إلى البحر الأبيض المتوسط حتى تم حصر الحرب بين إسرائيل وحماس وبدأت الطامة الكبرى على رأس حماس.
يستدعي الأمر أيضاً فرض توازنات جديدة وتقليم أظافر إيران في جميع الشرق الأوسط وخاصة في جنوب لبنان وميليشيات الحشد الشعبي في العراق وحركة الحوثي في اليمن وحزب العمال الكردستاني في إقليم كوردستان، وتأتي هذه المواجهات في نفس التوقيت، فالدول العظمى الثلاث تولت أمر المنظمة الحوثية، وإسرائيل تلاحق قيادات حماس وحزب الله بشكلٍ يومي عن طريق تحديد مواقعهم بوسائلها التكنولوجية المتطورة، وتم بالفعل تحييد سكرتير المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في عقر دار إيران والقيادي المسؤول في حزب الله عن تفجير ملعب للأطفال في مدينة مجدل شمس في الجولان في الضاحية الجنوبية في بيروت، وقامت أمريكا بقصف قادة الميليشيات الشيعية وسط العراق، وتقوم تركيا بضرب حزب العمال الكردستاني من الجو والبر في جبال قنديل والمناطق المتاخمة له في محافظة دهوك في إقليم كوردستان.
شعر الغرب بالخطر الحقيقي بازدياد عنجهية إيران ودخولها الأحلاف العسكرية العالمية والاقتصادية لصالح روسيا والصين، والوقوف في وجه المصالح الغربية، فتوجب تحجيم دورها الإقليمي والدولي، فكانت البداية بحركة حماس وتم إخراجها من المعادلة العسكرية والسياسية، ولو إن الصين تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه في قيادة مفاوضات بين منظمة التحرير وحركة حماس تحت يافطة توحيد الصف الوطني الفلسطيني والحفاظ على حماس على الأقل سياسياً، وسوف يلي هذا مواجهة شرسة مع حزب الله اللبناني من قبل إسرائيل وإجباره على الخروج من جنوب لبنان ووضعه تحت التحكم وإرجاعه إلى حجمه الحقيقي، وعزل النظام السوري عن الإيراني بالتهديد والوعيد، وإجبار إيران على الخروج من سوريا، وإغلاق جميع المعابر الحدودية مع العراق، وسيتم إجبار النظام السوري على المثول للقرارات الدولية، وسوف يتم ضرب فصائل الحشد الشعبي في العراق عبر استهداف قياداتها وتجريدها من السلاح عبر دعم الحكومة العراقية والجيش العراقي لبسط سيطرته، ويتم حلّ الميليشيات أو دمجها بالجيش العراقي وتشكيل الإقليم السني الرادع للتوغل الإيراني إلى الحدود السورية والأردنية والسعودية، وكذلك تحجيم دور حزب العمال الكردستاني في إقليم كوردستان والسماح لتركيا بمهاجمته، وغض النظر عن لا شرعية التدخل التركي لكون الحزب يلعب دور بيضة القبان في الصراع بين الحزبين الرئيسين في إقليم كوردستان وزعزعة استقرار الإقليم، وسيتم كما حدث في عام ١٩٩٩ إبان اعتقال زعيم الحزب عبد الله أوجلان في كينيا بمساعدة المخابرات الأمريكية وصرحت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك مادلين أولبرايت لو لم نتدخل في اعتقال عبدالله أوجلان لما استطعنا مصالحة الحزبين الكورديين في شمال العراق، كما تساهم في عرقلة الحوار الكردي الكوردي في كردستان الغربية رغم المحاولات المتكررة من قبل الإدارة الأمريكية لتوحيد صفهم.
تنتظر المنطقة تغييرات جذرية تنبأ بوصول منظمة التحرير الفلسطينية إلى قطاع غزة، وعودة الحريري إلى الساحة السياسية في لبنان، وإجبار النظام السوري على القبول بقرار مجلس الأمن الدولي ٢٢٥٤، وحل المليشيات في العراق، وإحياء الجبهة الكوردستانية في إقليم كوردستان، وإحياء الحوار الكوردي الكوردي في غرب كوردستان، أما في الداخل الإيراني فتحييد الرئيس الإيراني المحافظ إبراهيم رئيسي ومجيء الإصلاحي مسعود بزشكيان ووعوده للشعوب الإيرانية بالالتفات إلى الوضع الداخلي، واحترام إرادة الشعوب، ورفض تشتيت طاقات إيران، والذي ساعد الإصلاحيين هو الفشل الذريع الذي مُني به الإدارة السابقة في مواجهة إسرائيل والغرب من خلال الهجوم الفاشل على إسرائيل، وكسر شوكة السلاح الإيراني الذي لم يحقق أهدافه البته،
هل هناك طامة أكبر؟؟ ناهيك إذا نجح الجمهوريون في الانتخابات القادمة فستعاني إيران وأذرعها الأمرّين.