ذكرياتي مع الفنان محمد شيخو

ذكرياتي مع الفنان محمد شيخو

هنر بهزاد جنيدي

(١)
«وطني الصغير هو غاز للطبخ وحقيبتي المحمولة على الكتف وتلك الصورة القديمة لمحمد شيخو»
تلك كانت إجابة محمد حمو، صديقي الكوباني، المتمرد والمتمرس على مواجهة قسوة وشدة الحياة حين استغربتُ من تنقله بين بيوت الأجرة الكثيرة في السنة الواحدة، كانت صورة أثرية للفنان بإطار خشبي مهترئ لكنها كانت عزيزة على قلبه لا يفرط بها، ولا ينساها حيث رحل.
(٢)
في إحدى المناسبات القومية في مدارس دوميز طلبنا من تلامذتنا الصغار تحضير بعض الأغاني لينشدوها في الحفل، وحين بدأت فقرت الغناء تفاجأنا أن غالبية الطلاب قد حضّروا أغانيَ عن الحب والوطن للخالد محمد شيخو، وصادفت تلك المناسبة حضور الفنان بهاء شيخو شقيق المرحوم لتلك الحفلة، وجلس، واستمع بكل تفاعل وتأثر لهؤلاء الأطفال وهم يغنون، ويدندنون للمرحوم بأشهر وأعذب أغانيه!، أحسست بتأثر شقيق الفنان، فالتفتُّ إليه: أستاذ بهاء! هذا هو الخلود الإنساني والفني والقيمة التاريخية والحقيقية لأي مبدع، وحلم كل مناضل أفنى عمره في خدمة شعبه وقضية أمته؛ أن تبقى رسالتهم خالدة ومستمرة وسارية المفعول حتى بعد موتهم بمئات السنين، كما اليوم، براعم الكورد يتغنّون بقصائد محمد شيخو بعد عقود طويلة من وفاته ودون أن يكونوا قد التقوا به يوماً!
(٣)
كنا نغنّي معاً مدة ستة أشهر أغنية محمد شيخو المشهورة «نسرين» نغنّيها بحرقة العاشق المتيم وبإحساس الرجل الولهان، فقد أحب صديقي فتاة من نصف نظرة، ومن مسافات بعيدة وتوصل إلى معلومات عنها وأن اسمها «نسرين» وفيما بعد اكتشف أنه لا علاقة للفتاة المعشوقة باسم نسرين وأن لها اسماً آخر، وعلى مقال «شر البلية ما يضحك» ضحكنا طويلاً على كمية الأوجاع والآهات التي سكبناها في ألحان تلك الأغنية، وفي أحرف اسم نسرين، وتأسفنا أنها ذهبت سدىً لعنوان مجهول ولسماء غريبة.
(٤)
كنا نسمع في بعض الجلسات والقراءات من كان يشكك بأصول محمد شيخو الكوردية، والرد على هذا التساؤل حقيقة سمعته أيضاً من أخيه الفنان بهاء وتعليقه الجميل:
بالنسبة لنا فإن إثبات هذا الاحتمال والادعاء المضحك أو بطلانه لا يؤثر على قدر وقيمة وعطاء محمد شيخو التاريخي، بل على العكس تماماً فإن من يجتهد، ويشكّك بالنسب الكوردي لمحمد شيخو فإنه بذلك يعلي من شأنه بين الشعب الكوردي وبين عظماء الإنسانية لأنه وبالرغم من أصوله غير الكوردية-كم يدّعون - فقد قدّم ما قدمه للشعب الكوردي من تضحيات بالعمر والمال وبالفن والحياة ومن تفان لا محدود، وفي أسوأ المحطات التاريخية للشعب الكوردي، خسر كل شيء دون أي مقابل يُذكر فقط إيماناً منه بعدالة قضية هذا الشعب وحقه بالعيش في وطنه كوردستان حراً ومستقلاً .

(٥)
في فترة خدمتي الإلزامية في الجيش السوري أهديت كاسيتاً للفنان لصديق من الأخوة العرب كتذكار، كان يقول لي إن أمه تبكي في كل مرة تستمع لصوت محمد شيخو وهي الجاهلة باللغة الكوردية والعالمة بلغة الأحاسيس وصدق الآهات.

رحم الله محمد شيخو الفنان العظيم الذي أهدى الكورد نهراً لا ينضب من الأغاني الرائعة، ورسم بصوته وكلماته وبألحانه خارطة طريق خالدة لأحلام الكورد نحو الحرية والتحرر.