المثقف الكردي في غرب كوردستان بين الهوس بالتميُّز والتّظاهُر بالإلحاد

المثقف الكردي في غرب كوردستان بين الهوس بالتميُّز والتّظاهُر بالإلحاد

كاوا عبدالرحمن درويش

(يَحِقُّ للشَاعِرِ مَا لا يَحِقُّ لِغَيْرِهِ) مقولةٌ لطالما ردّدها الشعراء كلما حُشِروا في زاويةٍ لم يتمكنوا من الخروج منها.
مقولةٌ سمعتُها من أحد الشعراء في معرض رده على نقدٍ طاله، بسبب تحقيره للذات الإلهية في قصيدةٍ كان يلقيها في إحدى الأمسيات الشعرية التي حضرتُها، الأمر الذي دعاني لكتابة هذه الأسطر.

انتشرت في الآونة الأخيرة بين أوساط المثقفين السوريين في غرب كوردستان عامةً والكرد منهم خاصةً، فكرةٌ مفادها أن الإلحاد يمثل أعلى قمةٍ في هرم الإبداع الفكري والثقافي، فسارعوا إلى ارتداء ثوب الإلحاد، وتسابقوا بذلك ومن كلا الجنسين نحو إهانة الذات الإلهية تارةً، ونحو الانتقاص من الأديان وتحقيرها خاصةً الدين الإسلامي تارةً أخرى، في محاولةٍ من بعضهم للظهور بمظهر المثقَّف والمفكِّر المتميز عن أقرانه من الكُتَّاب أو الشعراء أو المفكرين، وهذا فهمٌ مغلوطٌ لمعنى الثقافة والإبداع والإلحاد أيضاً، ينم عن نظرةٍ قاصرةٍ وتفكيرٍ سطحيٍ في فهم العلاقة بشكل دقيقٍ بين هذه العناصر الثلاثة.
فالثقافة هي نتاج ومحصلة الأفكار والمعارف والقيم والعادات والقوانين والفنون التي تكوَّنتْ لدى فردٍ أو مجموعة أفرادٍ بغضّ النظر عن معتقداتهم الدينية، أما الإبداع فيعني القدرة على الابتكار وعلى خلق وتوليد أفكارٍ ورؤىً جديدة، وهذا الأمر يسري على العنصر البشري بأسره، ولا يقتصر على دينٍ أو مذهبٍ معينٍ دون آخر، أما الإلحاد بوصفه موقفاً فكرياً لا يعترف بالآلهة أو بالأديان، فليس بالضرورة أن يكون مرادفاً أو ممثلاً حصرياً لحالة الإبداع والتميز الفكري، وحتى إن كان هناك العديد من العلماء والمفكرين اللادينيين كديموقراطيس، وفرويد، وابن رشدٍ، والمعري والكثيرين غيرهم ممن أغنوا الحضارة الإنسانية، فإن هناك في الجهة المقابلة أيضاً الكثير من العلماء والمفكرين الدينيين سواء المنتمين منهم إلى الدين الإسلامي أو إلى بقية الأديان السماوية كابن الهيثم والزهراوي وحسان بن ثابت والنابغة الذبياني واسحق نيوتن وبيكون وغيرهم الكثيرون الذين أثروا الفكر الإنساني بكتاباتهم وأفكارهم وإنجازاتهم، سواءً في مجالات العلوم، أو الآداب أو الفنون، أما ظاهرة توجُّه الكثير من الشعراء والمثقفين مؤخراً نحو التظاهر بالإلحاد بغرض التميّز فهي ليست سوى محاولاتٍ فاشلةٍ لارتداء زي الثقافة والفكر والإبداع، مستخدمين في سبيل الوصول لذلك مصطلحاتٍ وعباراتٍ تسيء إلى القرآن الكريم وسوره وآياته وإلى الله سبحان تعالى أيضاً، فلم يوفّر هؤلاء فرصةً إلا واستغلوها كوسيلة للتهجُّم على الدين الإسلامي، وكأنَّ الإسلام هو من منعهم ويمنعهم من التفكير والبحث والتعلم والعمل، متأملين بذلك أن يمنحهم الظهور بمظهر الإلحاد الوصول السريع إلى الشهرة بأقصر الطرق وأقلها تكلفةً، وأن يخلق انطباعاً لدى جمهورهم وقُرائِهم بأنهم نخبة المجتمع وصفوته وطريقهم نحو الخلاص، وبرزت من هؤلاء على وجه الخصوص فئة الشعراء الذين من المفترض أن يتحلُّوا كما غيرهم من المبدعين بمسؤوليةٍ أخلاقيةٍ عن الاختيار الصحيح والصائب لمفرداتهم وموضوعاتهم التي يتناولونها بدقةٍ وتأنٍ، فتحقير الأديان والإساءة إلى الذات الإلهية ليست مجرد تخطٍ للحدود الأخلاقية والدينية والمجتمعية، وإنما تعبيرٌ عن عدم احترام لمشاعر مئات الآلاف لا بل الملايين من أبناء الشعب الكردي المسلم الذين يقدِّس هذه الذات وينفر من الاقتراب منها بسوءٍ، حتى وإن كان بذريعة الشعر أو غيره، فمن الضرورة أن يدرك الشاعر الكردي أن الكلمة والشعر مسؤوليةٌ يجب عليه التحلّي بها، وأن يتخذ من شعره أو قصيدته مصدراً للإلهام وأداةً للجمع بين أبناء الشعب الكردي من جهة، وبينه وبين بقية الشعوب المتعايشة معه على نفس الأرض من جهةٍ أخرى، وليس وسيلةً للتفرقة والإساءة الى آراء وثقافات ومعتقدات الآخرين المقدسة لديهم.

لابد من القيام بعملية تصحيحٍ للمفاهيم في الساحة الثقافية الكردية سواءً من قبل المؤسسات الثقافية واتحادات الكتاب والمثقفين، أو النقاد، أو من قبل الرقابة الذاتية الداخلية الكامنة في ضمير كلٍ من هؤلاء المثقفين والشعراء الكرد الذين تقع على عاتقهم مسؤولية إدراك أن المثقف الحقيقي والمتميز هو المفكر الحر المحتفي بالتنوُّع، والناقد البنَّاء، والحريص في الوقت نفسه على عدم الوقوع في فخّ التعصُّب لأفكارٍ معينةٍ، وعدم تجاوز الخطوط الحمراء الفاصلة بين حرية التعبير من جهة، وبين الإساءة إلى الذات الإلهية والأديان وكتبها السماوية من جهة أخرى، فالتفرُّد والتميز والإبداع الحقيقي يكمن في قدرة ومساهمة الكاتب أو الشاعر في بناء مجتمعٍ قائمٍ على التنوع والتسامح، وليس على التطرف والاختباء وراء فكرة التظاهر بالإلحاد وترديد مقولة (يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره) وهي المقولة التي حرضتني على كتابة هذا المقال.