هل يلبي القرار 2254 طموحات الكورد؟!
شيركوه كنعان عكيد
تدور في الأفق بوادر عملية سياسية مركبّة ومتعددة الجوانب والأطراف الدولية منها والإقليمية، وذلك بهدف الوصول إلى حلول للأزمة السورية والتي تعّد من أكثر الأزمات تعقيداً على مستوى العالم، نظراً لأنها ذات أبعاد سياسية، اقتصادية، اجتماعية وإنسانية بآن معاً. وخاصة مع تواجد كلّ تلك الأطراف المنخرطة في الصراع والتي يمسك كلٌّ منها بأحد خيوط اللعبة، ويمثل جزءاً معتبراً من المشكلة الكبرى.
تزامن الشروع بتلك العملية والتحرك الديبلوماسي لأكثر من دولة (تركيا وروسيا، العراق وإيران) مع بدء الانتخابات في الولايات المتحدة بوصفها لاعباً محورياً في مضمار الصراع وبازار المصالح، حيث أن التغييرات السياسية المحتملة فيها تؤثر أيضاً على سياسات الدول الأخرى وتوجُّهاتها في التعامل مع الأزمة السورية، خاصة ما من أحد يستطيع التكهُّن بما قد يعتريها من مفاجآت بمجيء السيد ترامب إلى سدة الحكم، إن تمّ انتخابُه، فهو إما قد يتبنّى سياسة أكثر تشدداً تجاه كل من سوريا، العراق وإيران تقوم على الانخراط بشكل أكثر فاعلية في الصراع ممّا قد يؤدّي إلى تفاقم التوتر مع روسيا وإيران وتركيا بالإضافة إلى النظام مما قد يتسبّب بتغييرات دراماتيكية في الأوضاع العامة، ويؤخّر التوصل إلى أية حلول سلمية للأزمة.
وقد يكرر سياساته السابقة بالانسحاب من مناطق معينة ممّا قد يترك فراغاً تستغله أطراف عدة كالنظام والتنظيمات الإرهابية لمصلحتها على حساب قوى المعارضة المدعومة من أميركا.
ـتحاول القيادة التركية بشكل ملحوظ أن تظهر كطرف يمثل جزءاً من الحل بدعوتها الأسد للمصالحة وإنهاء القطيعة وهي تحمل في جعبتها ثلاثة ملفات رئيسية، أمنها القومي ومستقبل المناطق الواقعة تحت السيطرة التركية، التحديّات الاقتصادية وملف اللاجئين السوريين بالإضافة إلى ملفات أخرى قد لا تكون أقل أهمية من سابقاتها كإعادة الإعمار. ومع ذلك فان تلك المحاولة تبدو وكأنها تستند على فكرة وضع العربة أمام الحصان. فتلك المصالحة المنشودة تتطلب تفاهمات وتوافقات دولية وإقليمية ومحلية مشتركة، وتستوجب حالة من الاستقرار الأمني لكي يكتب لها النجاح، وهذا ما هو غير متاح حتى الآن ولا حتى في المنظور القريب على اللوحة السورية المتشابكة.
إيران تسعى من جهتها ومن خلال تحرُّكاتها الديبلوماسية متعدّدة الأطراف إلى تعزيز موقفها الاستراتيجي على الصعيدين الدولي والإقليمي والتحضُّر لأي تغييرات محتملة في السياسة الأميركية. وقد قامت مؤخراً بإبرام العديد من العقود طويلة الأمد مع الصين والهند لتعزيز العلاقات الاقتصادية والعسكرية، وما زيارة المسؤولين الإيرانيين لكل من العراق ولبنان وسوريا إلا لتأكيد استمرارية تحالفاتها الإقليمية، الأمر الذي يعتبر بالتالي مؤشراً على استمرار دعمها للنظام السوري والحلف الشيعي عموماً.
أما روسيا والتي تعتبر اللاعب الأهم في الصراع فقد لعبت دور الوسيط بين تركيا وسوريا حيث عقدت اجتماعات ثلاثية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين المعنيين كما نظمت محادثات أمنية بين البلدين لبحث قضايا الأمن الحدودية ومكافحة الإرهاب، فهي تلعب دوراً رئيسياً في دعم المصالحة التركية بشكل يدعم مصالحها طويلة الأمد في المنطقة. وفيما يخص الملف الكوردي فهي تدرك مدى حساسية الموقف التركي تجاه الكورد ولذلك فإنها تحاول تلعب دورًا متوازنًا في مراعاة المصالح التركية ومصالح النظام في المناطق الكوردية.
إذا القينا نظرة سريعة على الخارطة السياسية والعسكرية من حيث النفوذ والانتشار، وليس أقله مدى حرص القوى المهيمنة ورغبتها في الحفاظ على مصالحها وأجنداتها المستقبلية سنكتشف سريعاً أن الحركة الكوردية التي تمثل المشروع القومي عمومًا ليس لها موطىْ قدم على تلك الخارطة إلا في الحدود الدنيا وتكاد تكون غائبة عن مضمار التأثير والنفوذ اللهم فيما عدا تواجدها ضمن ائتلاف المعارضة السورية والتي تعول بدورها على تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2254، والذي يبدو بعيد المنال في ظل هذه المعمعة، لذلك فإن العمل على إحياء المسار التفاوضي بالتعاون مع الدول الفاعلة يجب أن يكون من أولى أولويات المعارضة السورية والحركة الكوردية عمومًا حيث استنفذ جميع اللاعبين أوراق الحل للأزمة السورية أو لأن أوراق الحل فقدت قوتها، خاصة بعد المحاولات الحثيثة من بعض الدول العربية والأوروبية لإعادة تعويم النظام وشرعنة وجوده لإدارة الدولة، الأمر الذي قد يتيح له فرصة التهرُّب من كل مخرجات الحوار والمفاوضات التي جرت بإشراف الأمم المتحدة.
في خضم كل تلك التحرُّكات والتي يصعب قراءتها الكثير منها بصورة مؤكدة فإن أطراف المعارضة ومنها الحركة الكوردية لا تملك كما اسلفنا إلا التعويل على الحلول السلمية من خلال تطبيق قرارات مجلس الأمن وخاصة القرار 2254 بوصفه الإطار الدولي الأمثل وربما الوحيد لتمكين المعارضة من الدخول في مفاوضات مع الطرف الآخر وتشكيل حكومة انتقالية، ذلك القرار الذي يحتاج ربما إلى معجزة لتطبيقه في الظروف الراهنة.
دعونا نفترض هنا أن المعجزة قد حدثت وتم تطبيق القرار المشار إليه! فهل سيلبّي حقاً تطلعات شعبنا في حال تنفيذه؟
علينا هنا إلقاء نظرة خاطفة أخرى على أهم بنود القرار وخاصة ما يتعلق منها بحقوق الأقليات حيث يتضمن القرار من ضمن ما يتضمنه وباختصار شديد على عملية سياسية شاملة تشمل جميع فئات المجتمع السوري العرقية والدينية والطائفية والتأكيد على عدم إقصاء أي طرف، وحماية حقوق الإنسان بحيث يشمل كل السوريين دون استثناء
صياغة دستور جديد يضمن حقوق الأقليات، وثم إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة.
القرار لم يحدّد حقوق الأقليات أو أقلية بعينها بالتفصيل، لكن مبادئه العامة تتيح ضمان حقوق الأقليات عند تطبيقه، وهذا كما أسلفنا ما تراهن عليه الحركة الكوردية أيضاً من ضمن ممن يراهنون عليه، للوصول إلى تحقيق مطالب شعبنا التي نادى بها خلال عقود عدة.
الحركة السياسية الكوردية مطالبة من جهة أن تستند على النشاط الدبلوماسي والتواصل مع كل الدول والمنظمات الدولية من أجل إلقاء المزيد من الضوء على الوضع الكوردي، ومن أجل العمل على تفعيل الحوار وإحياء مسارات التفاوض، وهي مطالبة أيضاً أن تركّز على الجوانب الحقوقية والسياسية التي يمكن أن تعزّز من موقفهم التفاوضي ومطالباتهم القانونية في حال تمت المباشرة بها من خلال المشاركة الفاعلة في العملية السياسية الشاملة لضمان تمثيلها الفعلي في آية تسوية سياسية مستقبلية، الأمر الذي يتطلب تنسيقا مع اطراف المعارضة السورية لتشكيل جبهة موحدة مما يمنحها حضورا قويا في عمليات التفاوض مع النظام، والاستفادة بحنكة من تواجدها في اللجنة الدستورية.
من جهة أخرى، وبالرغم من تمثيل الحركة الكوردية في اللجنة الدستورية إلا إن تحقيق مطالبها وضمان إدراج حقوقها في الدستور الجديد يتطلب أولاً وأخيراً تعزيز الوحدة الداخلية وتوحيد الصف الكوردي بغية تقديم جبهة موحدة في المفاوضات، وثانياً المشاركة الفعالة في التفاوض والتعاون مع الأطراف الأخرى والتعامل مع التحديات المتمثلة في احتمالية تحفظ بعض الدول والأطراف السورية الأخرى تجاه مطالبنا أو إنكارها بدءاً من الاعتراف بالثقافة الكوردية وانتهاء بالفيدرالية والحكم الذاتي.
كما أن بناء التحالفات مع الدول يجب أن يكون من أولويات العمل السياسي في كل مرحلة من مراحل النضال، فالمسألة السورية عموماً بما فيها القضية الكوردية هي قضية ذات أبعاد دولية رغم كل شيء.
إن بناء التحالفات مع تلك الدول التي يمكنها إن توفّر لنا دعماً سياسياً وديبلوماسياً قد تفضي إلى منح ضمانات دولية لحماية المناطق الكوردية وممارسة الضغط الديبلوماسي على الأطراف الفاعلة للحد من هيمنتها وتحكُّمها في مجريات الأحداث. وبنفس الوقت يجب الدخول في مفاوضات مع القوى الإقليمية المؤثرة للتوصل إلى تفاهمات تضمن عدم التدخل السلبي في الشأن الكوردي أو العمل ضد تطلعاته وأهدافه.
لا يخفى على أحد أن تطوير آليات التواصل والإعلام لإيصال صوتنا إلى المجتمع الدولي وتسويق قضيتنا العادلة في المحافل الدولية، وتعريف المجتمعات الأخرى بأحقية مظالم الكورد ومطالبهم، يلعب دوراً بالغ الأهمية في الوصول إلى نتائج إيجابية مثمرة.
إن القرار 2254 وفي حال تطبيقه لن يلبي طموحات الكورد بصورة تلقائية واتوماتيكية، بل إنه يستوجب عملا وأداء متميزين قبل وأثناء عملية التسوية السياسية المرتقبة، والتعويل على طاقات الجماهير الكوردستانية ودعمها، وكذلك مساندة الأشقاء في الإقليم الحبيب وحلفاء الكورد في الداخل والخارج، وليس أقله تجنُّب المراهنة على الأحصنة الخاسرة في هذا المضمار الشائك.