محنة "ملك الكتب" مع الرقيب...!
علي جزيري
"ملك الكتب"، صفة مجازية تُطلق على الاستاذ القدير فرهاد عوني، رئيس تحرير صحيفة التآخي والعضو السابق في البرلمان العراقي ونقيب صحفيي كُردستان السابق، لاقتنائه مكتبة ضخمة، قل نظيرها.
حلَّ فرهاد ضيفاً عليَّ في القامشلي عام 2000، ودار يومئذٍ بيننا حديث متشعب، سيما أنها كانت المرة الأولى التي نلتقي فيها بجنابه. ألحَّ عليَّ الانتساب لنقابة صحفيي كُردستان فوافقتُ، وأرفقتُ طلبي بصورتين شخصيتين وصورة عن بطاقتي الشخصية، ولم يمضِ إلا بعض الوقت حتى استلمتُ هويتي الصحفية بصفة "مُحَرِّر" في صحيفة "خەبات" الغراء، التي كانت تصدر كل يوم جمعة، ويترأسها وزير الثقافة الراحل فلك الدين كاكائي، الذي خصص لي عموداً ثابتاً وأرفقه بصورتي الشخصية، وكانت الزاوية تحت عنوان "حكايات سياسية"، استمرت لسنوات.
وسرعان ما توطدت العلاقة بيني وبين فرهاد، بعد أن يممتُ شطر كُردستان وأقمتُ في العاصمة هەولێر، فكنا - فرهاد، د. عبد الفتاح بوتاني رئيس الأكاديمية، الاستاذ سربست بامرني، وبهجت شاعر ثورة ايلول وأنا - نلتقي من حين لآخر في مكتبته العامرة أو في الأكاديمية أو كنا نمضي الليل في أحد المطاعم نتجاذب فيها أطراف الحديث.
يروي فرهاد في آخر كتاب له تحت عنوان: "فرهاد عوني ومملكة الكتب"، كيف كانت الرقابة في العهد البائد تقصم الظهر، ويسردُ خبر زيارته لمكتبة "النور". فور وصوله بغداد توجه صوب المكتبة المذكورة كي يقتني رواية (السيد الرئيس) لـ "ميغيل أنجيل استورياس" الحائز على جائزة نوبل عام 1967، تلك التي تفضح "الاستبداد" الذي كان يمارسه طاغية غواتيمالا، لكن صاحب المكتبة أومأ له بداية بأنه لا يبيع مثل هذه الكتب الممنوعة، لكن حين تأمله جيداً استشفَّ بفراسته بأنه كُردي، حينئذ شعر بالأمان، فغمز له بطرف عينه، وسرعان ما استدرك فرهاد الموقف - فاللبيب من الإشارة يفهم - وعلم أن الكتاب متوفر وينوي تزويده به، لكنه ينتظر الفرصة المتاحة، ريثما تخلو المكتبة من الزوار. فخرج فرهاد لبعض الوقت، وحين عاد بغية الحصول على نسخته من الرواية المذكورة، لمح شخصاً يقبع في إحدى زوايا المكتبة، بنظارته السوداء العريضة على شاكلة مشاهد أفلام الجاسوسية، لئلا يتعرف أحد على ملامح وجهه، وكان هذا الرقيب الأمني منكباً على تصفح جريدة، ليوهم زائري المكتبة بأنه مشغول بالقراءة، في حين أن مهمته كانت تكمن في مراقبة تحركات الداخلين وهمساتهم بغية اصطياد فريسته في النهاية. لذا، حين دخل فرهاد المكتبة ثانية، لم يتلطف صاحب المكتبة به كزائر، ففهم فرهاد أن صاحبها يستمهله حتى ينصرف ذاك الخنزير، وتتطهر المكتبة من نجاسته، فاضطّر للانسحاب ثانية، وتوجه إلى أحد المقاهي القريبة من جامع الأورفلّي، وتناول عدة كاسات من الشاي، لكنه ظل متلهفاً لاقتناء الكتاب الذي سيتيح له المقارنة بين سلوك دكتاتور غواتيمالا وطاغية العراق، اللذين حكما البلدين بقبضتين من حديد...! ثم عاد صوب المكتبة، ونظر من وراء الواجهة الزجاجية إلى داخل المكتبة، وحين تأكد بأن الرقيب قد خرج، سارع في الدخول، فتوجه البائع إلى جهة ما، وعاد وفي يده روايته الأثيرة. هكذا، اقتنى "ملك الكتب" سائر كتبه، في ظل رقابة كانت تعد على الناس أنفاسها...!