بلاغة الوضوح في لغة الكاتب
هنر بهزاد جنيدي
كان أنيس منصور الكاتب المصري الكبير يقول -وأنا أنقل كلامه بالمعنى لا بالنقل الحرفي:
"أي كلمة لا يفهمها القارئ العادي يكون المذنب هو الكاتب وليس القارئ، فعلى الكاتب أن يكتب ما هو مقروء ومفهوم لعامة القراء وليس فقط للنخبة منهم".
نزار قباني كان يرى أن الشعر الذي لا يفهمه الطفل القارئ هو شعر يعاني في لغته!.
في الجانب الآخر مدرسة أدبية علمية أخرى لها رأي آخر؛ قيل يوماً لأبي تمام: لماذا تقول ما لا يُفهم؟!
فقال: لماذا لا تفهمون ما يُقال؟! والذي سأل أبا تمام عن صعوبة لغته كان اسمه أبو سعيد الضرير وكان من أعلم الناس بالشعر!
وحتى في الحقل العلمي هناك من يرى أن التبسيط في الشرح والمصطلحات إهانة للعلم، وصاحبه كفيثاغورس، يروى عنه كتب التاريخ أنه كان يكتب على باب صفوفه:
"من لم يكن منكم مهندساً (أي يفهم بالرياضيات) فلا يدخل علينا"!.
كتجربة شخصية في القراءة وتذوُّق النصوص أنا كبرت على قراءة القرآن وحفظ الآيات الواضحة والسهلة منه، وعلى قراءة أشعار نزار قباني ومحمد الماغوط وفاروق جويدة، وكردياً على قصائد جكرخوين ويوسف برازي وأغاني محمد شيخو وسعيد يوسف، تلك الأسماء التي نسجت أروع الصور، وعبّروا عن أعمق الأفكار والمشاعر بلغة سهلة وبكلمات متداولة ألفتها الآذان والنفوس، لغة يعتقد السامع أنه بالكلام العادي جداً وسهل التقليد ولكن هيهات من يقلدها هيهات!
فليس من السهل أن تكتب في دمشق ما كتبه قباني وبأوضح الكلمات:
"هذي دمشق.. وهذي الكأس والراح
إني أحبُّ... وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ
أنا الدمشقي.. لو شرحتم جسدي
لسـال منه عناقيـدٌ.. وتفـاح…..".
أو ما كتبه درويش:
"وأعشَقُ عمرِي لأنّي
إذا مُتُّ
أخجل من دمع أُمي!"
فمن أين سنأتي بشعب وجيش من القراء المبدعين والمتعمقين والمعجميين كي يقرؤوا ما كتبه سليم بركات، ويفهموا، ويفكّوا طلاسم صوره وتراكيبه حتى يتأثروا به ليثوروا، ويتغيّروا؟ وكيف السبيل إلى تعليم كل العرب فنون الشعر والأدب والخطابة حتى يفهموا ما يقوله أبو تمام؟
كنت أكره لغة الفلسفة وجمود أفكارها وغاياتها حتى حضرت دروس أستاذ في المرحلة الثانوية كان كلُّ همه تبسيط الفكرة الفلسفية دون قتل مضمونها وجوهرها فتعلقت بهذا العلم، وكدت بعد سماع دروس هذا الأستاذ أن أتخصص في الفلسفة جامعياً وللأسف لم يحدث لكنه حببني المطالعات الفلسفية حتى هذه اللحظة.
التقيتُ مرةً بصديقٍ لجدّي لم يكن يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان حافظاً ومرجعاً لأشعار جكرخوين، يلقيها بالوزن والموسيقا والشرح، هل كان لجكرخوين أن يحدث هذا التأثير، ويحقق هذا الاختراق الشعبي لولا خلطته اللغوية التي كانت تتسلل لقلوب الفلاحين، وأيضاً لعقول المثقفين والمتنورين؟
أعتقد أن المطلوبَ من كلّ كاتبٍ أن يربّي داخل قلمه معجماً يمدُّه بالتعابير الدقيقة والواضحة والسهلة لتقتحم أفكاره المقاهي الشعبية والحدائق العامة، وأيضاً مطلوب من كلّ كاتب أن يربّي داخل قلمه فكراً وفلسفة وثقافة وخيالاً يتقن توظيفها ورسمها كي لا تكون كلماته ونصوصه فارغة وخفيفة ومملة، ولا تكون سطحية الأفكار، فالسهولة والبساطة في التعبير لا تعني أبداً سطحية الأفكار والمعاني.
العبقرية اللغوية هي قول الأشياء العميقة بأسلوب لغوي مشوّق ودقيق ومفهوم.
لا بدّ من أن نتفهم؛ فكما أن لتذوُّق وقراءة النصوص مدارس متنوعة، فإن للغة الكتابة، ولأدوات وفضاء التعبير أيضاً مدارس مختلفة.