كركوك "قلب" كُردستان...!

كركوك

علي جزيري

يقول الباحث طارق كاريزي: أنجبتْ كركوك في النصف الأول من القرن العشرين ثلاثة من كبار المؤرخين، هم: د. جمال رشيد (تخصصه في التاريخ القديم)، ملا جميل روژبياني (ضليع في التاريخ الوسيط)، د. كمال مظهر أحمد (متخصص في التاريخ الحديث)، وكأني به يوحي للقارئ بأنهم تناولوا تاريخها عبر العصور بدقة، وأن "أهل مكة أدرى بشعابها".
أما د. خليل إسماعيل محمد (المتخصص في الجغرافيا البشرية)، فله العديد من الأبحاث والدراسات الأكاديمية الجادة، يؤكد فيها بأن الصراع على كركوك قديم، فسبق لها أن تعرضت لسياسة التتريك في العهد العثماني، ومن ثم سياسة التعريب منذ تأسيس العراق بجهود الانكليز وضم ولاية الموصل إليه، كل ذلك بهدف طمس هويتها الكُردية بأي ثمن، رغم أن قاموس الاعلام العثماني في مادة كركوك الواردة في المجلد الخامس عام 1896، أقرَّ بأن الكُرد كانوا يشكلون ثلاثة أرباع سكانها، وظل الكُرد يشكلون الأكثرية في العهد الملكي، بيد أن سياسة التعريب الممنهجة ازدادت ضراوة في عهد البعث. من هنا صدق البارزاني الخالد حين قال: إن زعمت جهة ما بأن الكُرد أقلية في كركوك، فلن أصدقها...العراقيون جميعاً بمن فيهم المتطرفون، يُدركون هذه الحقيقة جيداً، فنسبة الكُرد هي الغالبة في تركيبتها السكانية، رغم سياسة التغيير الديموغرافي التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة.
ما من شك أن كركوك بموقعها، وسهولها الخصبة، وأراضيها الغنية بالنفط والغاز وغيرها من الثروات الطبيعية، هي التي دفعت برئيس النظام العراقي الأسبق صدام حسين كي يقول صراحة ومن دون مواربة: أدري أن كركوك كُردستانية، لكننا لن نتنازل عنها.
وأثبت الفن الدرامي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا قدرته على تناول هذه القضية الساخنة، حين أقْدَمَ الكاتب أحمد إسماعيل على مَسْرَحَة هذا الحدث، في أحد مشاهد إحدى نصوصه. فحين يلتقي شاب أثناء توجهه إلى قيادة الثورة بغية التطوع في الپێشمەرگه بأحد الرعاة، يدور بينهما الحوار التالي:
- الراعي: إلى أين أنت ذاهب يا بني؟
- الشاب: إلى مقر البارزاني.
- الراعي: اسمع جيداً يا بني، حين تلتقيه قل له إن محو بن مجيد برواري يعاتبك.
- الشاب: وهل يَعْرفكَ؟
- الراعي: ها.. أكيد، فالبارزاني يعرفنا جميعاً يا بني.
- الشاب: لماذا تعاتبه؟
- الراعي: سمعتُ بأنه سيتنازل عن كركوك.. قل له يا بني: إن تنازلتَ عنها يا ملا، فإن محو لو بقي وحده على قيد الحياة لن يرضى أبداً.
- الشاب: البارزاني لم ولن يتنازلَ عن كركوك يا عمّاه.
- الراعي: هل أنت جاد؟
- الشاب: طبعاً.. ألم تسمع بما قاله عن كركوك؟
- الراعي: وماذا قال يا بني؟
- الشاب: قال "كركوك قلب كُردستان"...
- الراعي: (يقفز عالياً من شدة الفرح) أحسنت يا ملا، قلت للآغا إن البارزاني لن يفعلها يا آغا، لكن الآغا أصرَّ على رأيه... (يلتفت نحو الشاب)، حين تقابل البارزاني يا بني قل له إن محو يُقَبِّلُ جبينك.
أجل، قالها البارزاني صراحة: لا أستطيع أن أتحمل المسؤولية التاريخية أمام الأمة الكُردية في التنازل عن كركوك، لأن مَنْ يُقْدِمُ على مثل هذا الفعل المشين ستلعنه الأجيال القادمة...!