عذراً لينين...! لن أكون إلا نفسي

عذراً لينين...! لن أكون إلا نفسي

صالح محمود

لقد مضى ذلك الزمن الذي كنا نلبس فيه اللباس الماركسي، لقد انطوت تلك المرحلة التي كان يلف فيها رؤوسنا وعقولنا أفكار وعقيدة غريبة، ومضى زمن" الاعتقادات الراسخة التي هي أسوأ أعداء الحقيقة وهي أكثر خطراً من الأكاذيب "
لكنني- في الحقيقة- لاأنكر بأنني في يومٍ ما كنت شغوفاً جداً بكتب ماركس ولينين وأنجلز، وكل ما يتعلق بهذا المذهب مع أني لم أكن استوعب بشكل كافٍ ما في بطون هذه الكتب وما تحتويه من أفكار، وهذا لم يمنعني يوماً من اقتنائها وقراءتها، لقد كانت تكفيني فرحة الحصول على كتاب عليه صورة لينين أو ماركس، كان مثل هذا الأمر لوحده يشكل إنجازاً عظيماً بالنسبة لي وكانت للماركسية جاذبيتها و بريقها ورونقها الخاص، ولذلك هيمنت على عقول وقلوب الشباب بخاصة، ومن المعروف عن الشباب ولعهم وشغفهم بالأفكار الجديدة، ولأنّ العقلية السائدة آنذاك كانت تؤمن بالماركسية اللينينية، وتنظر إليها بشيء من القداسة حتّى دون أن تستوعبها، فلذلك عندما كانت تدور النقاشات والحوارات بين الساسة والمثقفين كان يكفي أن تستشهد بقول أو حديث للينين أو ماركس كي تُخْرس الآخر الذي يجادلك، فالذي كان يمتلك ناصية الماركسية كان صاحب الحظ الأوفر والمرشح الأقوى للفوز في أي حوار أو نقاش في منطق ذلك الزمان.
لقد دخلت الماركسية إلى المنطقة نتيجة فراغ فكري وخلو الساحة السياسية من أفكار محلية وحالة من التصحر الفكري خلقت الأرضية وهيأت المناخ وفتحت الباب على مصراعيه لهذا الفكر بالدخول وسمحت له بالانتشار، وكانت التنظيمات التي تلتزم بهذه النظرية تتباهى بتقدميتها ومواكبتها للعصر وتتهم الآخرين بالرجعية والتخلف مع أنّها كانت أقرب إلى المحاكاة والتقليد ليس إلا، لقد سرقت الماركسية عقولنا وخطفت قلوبنا في تلك المرحلة، وغيّرت هويتنا الكردية إلى حدٍ ما وأضعفت انتمائنا الديني والقومي أيضاً.
الماركسية أنارت الدرب للطبقات الكادحة لترى أشياء لم تكن تراها من قبل، وردّت لها بعض الاعتبار والأهمية، لقد أصبح للعمال الفقراء الذين لا يملكون شيئاً سوى سواعدهم نظرية شاملة ومتكاملة يهتدون بها، لقد قوّتهم ومكّنتهم أفكار ماركس ولينين ووحدتهم أيضاً، لقد أزاحت الماركسية العقلية الخرافية التي ورّثها رجال الدين للناس البسطاء، وساهمت في ارتقاء الناس وتقدمهم، هذا من الزاوية الفكرية أو الثقافية أما من الناحية السياسية، فالشيوعية التي هي التطبيق العملي للماركسية لم تخلف سوى أنظمة ديكتاتورية شمولية.
لقد أزاحت الماركسية فلسفات قوية في تلك المرحلة كانت سائدة في الغرب والعالم عموماً، وحلت محلها واستلمت زمام الأمور ودفة القيادة، والذي ساعد على ذلك هو تحولها إلى عقيدة وإيديولوجيا بالدرجة الأولى، لقد تراجع الفكر الديني والقومي، وتضعضع أمام تقدم وانتشار الفكر الماركسي، وامتزجت السياسة بالشيوعية بالرغم عنها في تلك المرحلة وامتازت الماركسية بأرجوانية عجز اللسان عن وصفها، ولم يكن الشعب الكردي الوحيد المتأثر بالماركسية بل كانت الماركسية ظاهرة عامة تأثرت بها كل شعوب المنطقة، وكان السياسيون يتباهون بشيوعيتهم وماركسيتهم أينما كانوا فالبشر بطبيعتهم يعشقون المظاهر، وهؤلاء المتباهون هم أول من تركوها وراؤهم عندما تضعضعت الماركسية وتراجعت لأن الماركسية لم تدخل أساساً إلى دورتهم الدموية ولم تجرِ في شرايينهم ودمائهم، فأولئك الذين اعتنقوا الشيوعية وآمنوا بها كدين تعذّبوا كثيراً في تركها، فالشيوعية مثلها مثل أي دين وعدت الناس بمساواة وعدالة تامة ورفاهية وجنة ولكن على الأرض، لقد كان ماركس ولينين رسل الشيوعية وقساوستها الأوائل وبعد أن رحلوا بقيت أفكارهم راسخة في عقول وقلوب رفاقهم ومريديهم، ولكن الشيوعية التي وعدت الناس بجنات على الأرض بنت أعتى الديكتاتوريات وولّدت أطغى الطغاة وهؤلاء ارتكبوا أشنع الإبادات، وأقسى الجرائم بحق البشر وبحق معتنقيها بالدرجة الأولى، لقد بنى الشيوعيون امبراطوريتهم على بحيرة من الدماء، والعنف الذي رافق الشيوعية كان مؤلماً وفتاكاً، وكان لينين مباشراً وصريحاً ولا يحب إضاعة وقته أو أوقات الآخرين: «أنا لا أريد أن أقنع عدوي، بل أن أدمّره». و«يجب الحكم بالرعب، من دون تلطيف أو تجميل»، «وهناك جواب واحد على الرجعية: اصفعها على وجهها» ومن جملة ما أبدع لينين اتهام معارضيه بالجنون وزجّهم في المصحات. وأول من أدخل إلى مستشفى المجانين كان وزير خارجيته، جيورجي تشيرتن: «سوف نكون مجانين إذا لم ندخله المصح فوراً». لقد انطوت تلك المرحلة إلى الأبد، وظهرت أفكار جديدة أزاحت تلك النظرية وأسدلت الستار على ذلك الفكر وتلك العقيدة، ولم تعد الشيوعية أمراً مطروحاً في وقتنا هذا، لقد أضرت الشيوعية بالشعوب عندما ربطتها بالاتحاد السوفيتي سابقاً والذي كان يفضل مصلحته الذاتية على مصالح هذه الشعوب، لقد تركت الشيوعية إرثاً فظيعاً من الخراب والدمار والبشرية تحتاج إلى سنوات كي تزيله، هكذا تكون العقائد عندما تسيطر وتهيمن على العقول والقلوب ولكنها تبدأ بالزوال والاضمحلال عندما تطبق على الأرض لأن التطبيق العملي يظهر عيوبها وأخطاءها وبالتالي تبرز فئة من المجتمع تنتقدها وتفندها وبعد ذلك تظهر مقدمات زوالها، والعقيدة التي لا تسمح لمعتنقيها رؤية الأشياء إلا من زاويتها هي ووفق منظورها هي تصيبهم بنوع من العمى وهذا تجني واضح على العقل وعلى الوعي والإدراك البشري، لكن جرت العادة أن تقلد الشعوب بعضها البعض فلو شاءت الصدفة أن تمطر في موسكو آنذاك كان الشيوعيون في جنوب افريقيا يبادرون إلى حمل المظلات على الفور، وأمام هذا المشهد، وبعد كل هذه التطورات أفضل خيار للمرء أن يختار نفسه، وينطلق منها ويبني عليها فعذراً لينين وعذراً ماو لقد عدتم غرباء عنّا.