إطلالة على قانون جرائم المعلوماتية
فرهاد شاهين
عندما ضاقت سبل العيش أمام السوري غذاء ودواء مأوى، وعندما كتمت السلطة صوته ورأيه في سياسة الدولة واقتصادها ومستقبلها، فوسائل الإعلام بمختلف أشكالها ملكها، وهي مخصصة لأعوانها ومؤيديها من المتربحين من وجودها.
عندها لم يجد السوري وسيلة للتعبير عن رأيه سوى جهازه الصغير يحرك عليه أصابعه بهدوء وسلام يبث من خلاله ألمه وشكواه وكبته وعبوديته عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن السلطة التنفيذية استكثرت عليه تحريك أصابعه والتعبير عن همومه، فما كان منها إلا إصدار قانون جرائم المعلوماتية رقم ٢٠ لعام ٢٠٢٢ لتلاحقه في خلوته في بيته بين أعضاء أسرته لتحرق له أصابعه، وتمنعه من الإدلاء برأيه، وتقمع هذا الراي بعقوبات مشددة.
يعرف السوري أن من طبع السلطة تفسير مبادئ الدستور الواضحة ونصوص القانون الجلية على مزاجها.. فكم تجاوزت نصاً أو فسّرته بغير ما يحتمل. ويتساءل السوري كيف ستتعامل السلطة مع قانون الجرائم الالكترونية؟ وقد جاء غامضاً مبهماً يحتمل تفاسير كثيرة في معظم بنوده؟!
إن أهم مايقال في هذا القانون أنه قانون غير دستوري فقد خالف بشكل صريح المادة ٤٢ من الدستور السوري الصادر عام ٢٠١٢ والتي نصت على أن (حرية التعبير مصونة وفقا للقانون. ولكل مواطن الحق أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول أو الكتابة أو بوسائل التعبير كافة) فجاء هذا القانون ليتناقض مع نص دستوري، ومبدأ من مبادئ حقوق الإنسان.
لقد خالف القانون أبسط قواعد العدالة وهو التناسب بين خطورة الجريمة والعقوبة. فجاءت العقوبات في هذا القانون مشددة وصل بعضها الى المؤبد كعقوبة القتل العمد، ووصلت الغرامة الى أكثر من عشرة ملايين ليرة سورية وهو مبلغ يعادل راتب موظف لمدة ثلاث سنوات مما يجعل من هذا القانون أداة للقمع او الابتزاز.
يتساءل كل مواطن جالس مع جهازه، ولا وسيلة لديه للتعبير سوى هذا الجهاز، هل المطالبة بتغيير الدستور السوري ليكون دستوراً حضارياً يفصل بين السلطات ولا يجيز تغول سلطة على سلطة جريمة؟!
هل أعضاء اللجنة الدستورية مجرمون يستحقون العقاب، فتطالهم أحكام المادة ٢٧ من هذا القانون؟
وهل هيبة الدولة كيان هش وفريسة سهلة لمقال أو تعليق على مقال فيطال الكاتب والمعلق عقوبة تصل الى سجن خمس سنوات كما نصت المادة ٢٨؟!
هل يجرم السوري إن تابع تدني قيمة الليرة السورية في السوق السوداء ليعرف مدى استمرار جوعه وغلاء غذائه، وكتب معبراً عن غضبه على فساد هو السبب في تقهقر عملتنا وهي رمز سيادتنا فتطاله العقوبة التي نصت عليها المادة ٢٩ ..
أليس من حق السوري أن يستهجن الطائفية، ويلعن مشعليها بمسيراتهم ولطمهم ودماء ظهورهم؟ وهل هو إن فعل يكون مجرماً بحق الأديان ومثيراً للطائفية يجب عقابه وفق المادة ٣١ ..
تتساءل ملايين الأصابع المتحركة:
أليس الأفضل والأجدى إصدار قانون يطال مسؤولا صنع الدستور، وكان أول من انتهكه؟
قانون يطال رجل الدولة الذي لم يبق لها هيبة، ولا كرامة فجعلها ملعباً لكل لص وفاسد، وجعل أرضها مسرحاً لكل محتل.
قانون يعاقب بأشد العقوبات أولئك الذين انتهكوا اقتصادنا بصفقاتهم المشبوهة، وأذلوا ليرتنا السورية عندما أهملوها ليودعوا مسروقاتهم بالعملة الصعبة في مصارف العالم وبيوتات المال الأجنبية..
أليس الأجدى عقاب من زرع الطائفية في الأرض السورية نبتة غريبة عن السوري، وعن تسامحه مع كل الأديان والمذاهب السماوية والأرضية..
أخطأ القانون رقم ٢٠ لعام ٢٠٢٢ عندما وجه قنابله الحارقة الى الأصابع المسالمة، ولم يوجّهها الى من كان سبب المحنة السورية.