خمسة أيامٍ في مخيم البارزاني "4"
مرفان باديني
يسعى الإنسان خلال حياته إلى اكتساب مهارات وتطوير قدراته، إضافة إلى حب المغامرة واستكشاف أشياء جديدة وخوض غمارها، ولأننا نمتلكُ درجةً وعيٍ تجعلنا مميزين وقادرين على ممارسة النقد الذاتي والتأمل والتفكير، حيث شكّلت تجربة مخيم البارزاني التي أتاحت لنا في أيامها الخمسة فرصة اكتشاف وممارسة رياضة روحية في التأمُّل العميق في ظل طبيعة بارزان، والتي شكلَّت نقطة تحوّل في حياتنا، وتركتْ أثراً عميقاً في نفوسنا.
فمع إشراقة صباح يومٍ جديدٍ تبدأ رحلة استكشافنا اليومي في ربوع الطبيعة، نشُّق طريقنا نزولاً عبر منحدراتٍ شديدة مغطّاةٍ بالعشب الندي ما تطلّب منا أخذ الحيطة والحذر في كل خطوة نخطوها حرصاً من الانزلاق، ونسمات رياحٍ لطيفة وهي تداعب خدودنا، وعلى طول الطريق المغطاة بالأشجار على اختلاف أنواعها تجعل التجول في ظلالها، إضافة إلى الاستماع إلى حفيف أغصانها وروائحها الزكية بالأمر الممتع، هناك على أطراف نهر الزاب السريع في جريانه والذي ما زال داكن اللون محمَّلٌ بأعباء الشتاء.
كانت خمس دقائقٍ في مجملها كنَا نقضيها في خلوة الطبيعة حيثُ تمتزج أصوات الطيور على اختلافها مشكّلةً سمفونية جميلة.
هناك عند أطراف نهر الزاب يأخذ كلٌ مكانه، مغمض العين متحرراً من كل قيدٍ، قبل أن يطلق العنان لرحلة تحرره الذاتي وهو يستمع إلى صوت داخله: "إرمِ ما في صدرك من غلٍ في نهر الزاب، دعه يأخذه بعيداً إلى حيثُ يشاء، طهّر قلبك من كل حقدٍ، تمعّن في جمال اليوم، استمع إلى خلوة الروح وهدوء النهار، املأ ثنايا صدرك برائحة الورود والرياحين، سامح من أساء إليك، مُدًّ يد العون للمحتاج، لا تتقاعس عن نثر المحبة من حولك، أشكر اللحظة التي أنت موجود فيها، ثم امضِ مطمئناً إلى حيثُ يبدأ نهارك الجديد". خمس دقائق كانت كفيلة بتحريرنا من أعباء الحياة الثقيلة، صخبها، ضجيجها، مشاكلها، نختفي في الزمان والمكان مع كل نًفَسٍ.
تلك ليست بمضيعة للوقت، ولم تكن مجرد ترانيم عابثة، وليست حكمة صينية لـ لاو تزو أو تعويذة سحرية لـ هاري بورتر ، بل هي تعاليم بارزان، حيثُ تمتزج الحكمة والإلهام في صمت وهدوء طبيعتها.
نختم اقتباساً لـ يانيس فاروفاكيس:"لن نتوقف عن الاستكشاف ونهاية استكشافنا ستعود بنا إلى حيثُ بدأنا ونعرف المكان من جديد".