التحرُّش الفِكري

التحرُّش الفِكري

محمد رجب رشيد

التحرُّش شكلٌ من أشكال العنف، يطال جميع الفئات العمرية، مِن أخطر أشكاله على الإطلاق التحرُّش الفِكري الذي لا يقلُّ خطورة على المجتمع من التحرُّش الجنسي، بل قد يفوقُهُ فيما يترك آثاراً نفسية مدمِّرة على الأفراد والمجتمعات، كِلاهما فِعلٌ شاذٌ وانتهاكٌ للآخرين من قِبل أصحاب النفوس الخبيثة.
التحرُّش الفكري حالة من الجَدل غير المبرِّر، يستهدف الآخرين بشكل مباشر، أو عِبرَ وسائل الإعلام، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي خاصةً وأنّها مُتاحة للجميع. لا شكَّ أنّ التحرُّش الفِكري لا يخلو من الألفاظ الخادِشة للعقول والنفوس، ويمتلك القُدرة على دغدغة العواطف وغسيل الأدمغة وإعادة ملئِها بالأفكار المزيّفة والحقائق المعكوسة، وتبريرها بوجهات نظر قائمة على الفِكر المغلوط.
لعلّ من أهمُّ مظاهر التحرُّش الفِكري وأخطرها هو الاعتداء على الآداب العامة للمجتمعات، وتجاهل القُدْوات والعَبث بتاريخها وأفكارها، واستهداف المقدّسات والقِيَم الإنسانية كَحرق أو تمزيق المصحف على مرأى ومسمع العالم، وإنكار حقوق الأفراد والجماعات والشعوب بِحُجج مزيّفة -لا أساس لها- من قبيل مقاومة العدو وحالة الحرب، هذا ما نلاحظه في خِطاب الأنظمة الديكتاتورية الحاكِمة إلى شعوبها.
على الرغم من مساوئ التحرُّش الفكري إلّا أنّه لا يخلو من الإيجابيات، كَالتي تنتُج عن التحرُّش الجنسي بين الأزواج، يمكن وصف تحطيم الأصنام من قِبل النبي -إبراهيم عليه السلام- بأول تحرُّش فِكري إيجابي في التاريخ. تلك الإيجابيات ومِثلها قد تقودنا إلى بعض الحقائق الغامِضة أو الغائِبة عنّا، هنا يأتي دَور المثقّفين لتوعية الناس، والمفكِّرين لِقراءة الواقع بعُمق وصناعة مفاهيم جديدة، والفلاسِفة لِتجريد الواقع والإبحار نحو المجهول الذي قد يُمهِّد لِنمط حياة جديرة بالعيش.
بالعودة إلى التاريخ نجِد أنّ جميع المتنوِّرين كانوا مستهدفين مِن السلفيين والإرهابيين والمؤسسات الدينية الراعية لهم كجامعة الأزهر على سبيل المِثال وليس الحصر، ليس هذا فحسب بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير عندما جعلوا من أنفسهم وكلاء لله تعالى في هذه الدنيا، يكفِّروا هذا ويهدِروا دم ذاك.
على الرغم من كُل ما سبق اتّخذ بعض النُخب من الوجه الإيجابي للتحرُّش الفكريّ منهجًا لِلتنوير وفضح الفقه المزوّر والتراث، نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر ابن خلدون، ابن رُشد، الفارابي، وحديثًا الطبيبة الكاتبة نوال السعداوي، الدكتور المهندس محمد شحرور، المُفكِّر والكاتِب نصر حامد أبو زيد، المُفكِّر والكاتِب فرج فوده، وغيرهم الكثير.
لم تكن نوال السعداوي -رحِمها الله- مجرّد امرأة تمرَّدت وجادَلت، بل كانت المثقّفة الحُرُّة التي أخاف تحرُّرَها المتزمِّتون الناكِرون على المرأة أيُّ حقٍّ في الحرية، لقد دافعت عن حقوق الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص، رفضت التمييز بين الجنسين، لاقت الكثير من الأذى بسبب كتاباتها النسوية وآرائها التنويرية حول حِجاب المرأة وخِتانها وتعدُّد الزوجات، أُتهِمتْ واعتقلت فلا هادنتْ ولا ساومتْ، بل صنعتْ لنفسها تاريخًا تتجلّى فيه قوة رسالتها ورجاحة منطقها.
أمّا الدكتور المهندس والمُفكِّر الإسلامي محمد شحرور -رحِمه الله- فقد ألقى حجرة في المياه الراكِدة منذ مئات السنين، وجاء بقراءة معاصرة للمِصحف على مدى نصف قرن، ألّف خلالها عدة كتب، أهمها الدولة والمجتمع -قراءة مُعاصِرة-، الكِتاب والقرآن، تجفيف منابع الإرهاب. توصّل إلى أنّ الإسلام فِطرة والإيمان تكليف، وأنكر وجود مصطلح رجال الدين كَوسطاء بين الله وعباده. والأحكام لا تُؤخذ من السُنّة لأنّه نِتاج بشري، والله وحده يُحرِّم، الرسول لا يُحرِّم فقط ينهى ويمنع، والحرام شمولي وأبدي عددها خمسة عشرة مُحرَّمًا فقط، وفيما عدا ذلك حلال، والحلال لا يُمارس إلّا مقيدًا بضوابط تحدِّدها مؤسسات الدولة.
وماذا عن المُفكِّر نصر حامد أبو زيد؟ لقد أثارت أفكاره ودراساته ضجة إعلامية كبيرة، أُتهِم على أثرها بالرِدّة والإلحاد، وحُكِمَ بالتفريق بينه وبين زوجته قسرًا بِحُجّة عدم جواز زواج المرأة المسلمة من غير المسلم.
أمّا الكاتِب والمُفكِّر فرج فودة -رحِمه الله-فقد دفع حياته ثمنًا لأفكاره ودراساته، اغتيل عام ١٩٩٢ بتحريض مباشر من قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر بعد تكفيره وإباحة دمه، فقط لأنّه دافع عن الدولة المدنية، وانتقد الإسلام السياسي المعاصِر والتاريخي، ودعا إلى الاجتهاد وإعمال العقل.
يجب ألّا ننسى كُل من الشيخ محمد معشوق الخزنوي الذي كان التجديد يدغدغ مشاعره منذ بداية تبلور وعيه، تعرّض للتعذيب والقتل عام ٢٠٠٥ من قِبل جهة مجهولة لم تُعلن عن نفسها، وعالم الآثار خالد الأسعد المدير السابق لِمتحف تدمر، والذي كان يُتقِن الأبجدية التدمرية، أقدم تنظيم داعش الإرهابي على قطع رأسه وتعليقه على عمود الكهرباء.
حقًا لن تقوم لنا قائمة طالما العُلماء محارَبون، والجُهلاء يتسيّدون المشهد ويرسمون المستقبل.