القضية الكوردية من الإقليمية إلى العالمية

القضية الكوردية من الإقليمية إلى العالمية

عبدالرحمن آپو

تعرّضت كوردستان أرضاً وشعباً لغزوات متتالية، وحروبٍ جرت على أرضها؛ فكانت مجالاً لتصفية الحسابات فيما بينها، وخاصة بين الإمبراطورية الفارسية القديمة التي نشأت في جغرافية الكورد وعلى أنقاض امبراطورية "ميديا" ولعنة كورش الاخميني في أراضي أسلاف الكورد على مبدأ ان لا تقوم للكورد قائمة من جهة، والامبراطورية العثمانية الدموية الناشئة من جديدالتي قامت على أنقاض السلجوقيين وبالتحديد في موقعة "جالديران" ١٥١٤ التي رسمت ملامح عصر دموي جديد، ووقائع مفروضة جديدة سارية المفعول إلى الآن.
قسمت كوردستان على إثرها إلى قسمين بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية العثمانية لتضاف إلى لعنة كورش لعنة العثمانيين الجدد.
مرّت القضية الكوردية بدهاليز مظلمة كادت أن تمحوها من الخارطة السياسية عندما ساد شبح الحرب العالمية الأولى بتوجُّه القوى العالمية التي سالت لعابها، وفتحت شراهتها نحو منطقة الشرق الأوسط وتحديداً كوردستان التي تتمتع بموقع جيواستراتيجي هام جداً وطبيعة شعبها المسالم بالإضافة لامتلاكها خزائن هائلة من الثروات الطبيعية والباطنية.
كل تلك الجاذبيات المكنونة دفعت بالقوى العالمية بتوجيه دفة سفينتها للإبحار في محيط متلاطم، مصالحها قضت بالمطلق على إنسانيتها فمحت كوردستان من الخارطة العالمية الجديدة عبر اتفاقية سايكس- بيكو السيئة الصيت وتقاسم تركة الرجل المريض، فأصبحت كوردستان مقسمة بين أربع دول حديثة في المنطقة (تركيا، إيران، العراق، سوريا)..وقسم من كوردستان الحق بالاتحاد السوفييتي السابق.
لم تعرف الأمة الكوردية المجزأة طعم الراحة أو السكينة، فبدأت بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى اوزارها الدول المنتصرة بترتيب أوراقها وفرضت طابعها المعاشي والحياتي اليومي على مناطق نفوذها واستعمرت تلك المناطق عسكريا بعدما قسمت تلك المناطق على الورق وبدأت المؤامرة الكبرى وكان نصيب الشعب الكوردي من تلك المؤامرة الدولية الأكبر.. فمحت كوردستان من الخارطة السياسية والجغرافية تماما.
بدأت الدول الاستعمارية دورها لتبدأ حقبة سوداء تجاه أعرق حضارة وأكبر أمّة حرمت من الوجود، وتحوّلت كوردستان إلى مستعمرة دولية بامتياز.
الدول الحديثة التي أنشأتها المؤامرة الدولية كانت الصيغة الصغرى لتنفيذ تلك المؤامرة؛ فمارست أنظمة الدول المغتصبة والمحتلّة لكوردستان كلّ صنوف المحو والإمحاء بحق شعبنا الكوردي المظلوم والمقهور، وبالتنسيق المباشر مع الدول الاستعمارية.
فكانت اللعنة الثالثة التي تحل بأمتنا الكوردية (لعنة كورش الأخميني- لعنة العثمانيين- لعنة الاستعمار والدول الغاصبة لكوردستان)..
تعاونت الدول الغاصبة والمحتلّة لكوردستان منذ نشأتها وإلى الآن مخابراتيا فيما بينها في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ تجاه القضية الكوردية، وأصبحت أراضي كوردستان وشعبها مستباحة لتلك الدول وفق اتفاقيات إقليمية وبإشراف دولي.
سمحت أنظمة تلك الدول بإنشاء أحزاب وحركات بعد الثورات الكوردية التي قدّمت مئات الآلاف من الجيل الثائر الدماء الزكية قرابين على درب الحرية (ثورة الشيخ الثائر سعيد بيران 1925- جمهورية كوردستان الديمقراطية وعاصمتها مهاباد 1946- ثورة أيلول المجيدة 1961 بقيادة الأب الروحي للأمة الكوردية البارزاني الخالد- انتفاضة إقليم كوردستان الغربية التي بدأت من قامشلو 2004 واستمراريتها 2011 ) التي تمّ إنشاؤها ضمن حدود الاحتواء والاستيعاب..
فكلما تجاوزت الحركة الكوردية حدودها المرسومة كان مقص التقليم جاهزاً...!!!الثورات تلوى الثورات، وكان القمع والتنكيل والقتل بالمرصاد..
العالم على صفيح ساخن ووفق سياسة المصالح مقبل على تغييرات جوهرية، وثمة حركة عالمية عملاقة وفق توازن سياسة المصالح تبدو للوهلة الأولى بطيئة ولكنها سريعة في ترتيباتها وتوقيتاتها فهي جوهرية، والتغيير المرتقب تبدأ من منطقتنا، وستكون كوردستان جوهرها علينا الاستعداد التام لها دبلوماسية ناعمة دون التنازل عن القيم والثوابت القومية، وطرق أبواب عالم المصالح بجدية.