"نهاية رجل جسور"

علي جزيري

ربطت بيني وبين المحامي محمد نذير مصطفى علاقة حميمة، فمنذ لقائي الأول به، أدركتُ أن ما يجمعنا لهو من العمق، بحيث سيبقى ما حُيينا. كانت شخصيته تتسم بالحكمة والاتزان، والتواضع واحترام الرأي الآخر؛ عرفتُ فيه الصدق، والجرأة والحزم والرأي السديد والإرادة الفولاذية، ناهيك عن روح الدعابة التي لم تكن تفارقه، والتي كانت تُضفي على لقاءاتنا الكثير من البهجة والتفاؤل بالمستقبل، وتُعَمّق إحساسنا بالهوية، وتُرسخ إيماننا بعدالة قضيتنا؛ لذا، لا أخفي سراً إن قلت: كنتُ أتحين الفرصة كي ألتقي به بين الفينة والأخرى.
كان الراحل حفيد ابني "علي يونس"، مصطفى من جهة الأب وعبد الرحمن من جهة الأم، وسليل مآثر المناضلين في جبال ساسون. حين ألحَحْتُ عليه ذات يوم، بتبيان الأسباب الغامضة التي تكتنف موقفه في الإقدام على كتابة (سيرته الذاتية) أسوة بالآخرين؟ حدّق فيني بعيني صقر قائلاً: عمّا سأكتب؟ قلتُ على الفور، وقد واتتني الفرصة كما ظننتُ: عن المقاومة البطولية لأهالي جبل ساسون، التي دامت 12 سنة في مواجهة قوات أتاتورك الغاشمة، والملاحم التي سطروها وعلاها غبار الدهر، وغُيّبَتْ وثائقها في أرشيف وزارتي الدفاع والداخلية التركيتين، كي لا تمتد إليها يد الباحثين عن الحقيقة، رغم أن أدبنا الشفاهي الكُردي قد صان لنا جانباً منها، وصار المغنون يتناقلونها من جيل لجيل.
ثم استأنفت القول: أكتبْ عن أحلامك التي أجهضتْ، عن شبابك الذي أمضيته في المعتقل مع رفاق دربك ثماني سنوات، في الدفاع عن قضية عادلة، عن المجردين من الجنسية والحزام العربي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا، عن السياسة الشوفينية التي تمارس ليل نهار بغية طمس وتجريد الكُرد من هويتهم على أرضهم التاريخية، والتي تسببت في بروز شعور عميق بالاغتراب لدى الكُرد، وإلحاق ضرر كبير بسمعة سوريا عالمياً.
لكنه خيَّب أملي، وهزَّ رأسه رافضاً - رغم أنه كان لا يرد لي طلباً - فعرفت حينئذ أن إلحاحي لن يثنيه، وحين تأملني والسؤال مغصوص في حلقي، تدحرجت دمعة على خده كقطرة الندى التي تهوي من إحدى بتلات النرجس حين تداعبها الرياح. بعد هنيهة، قال: إنني لم أقدم لشعبي شيئاً يستحق ذكره...! ثم صمت، ولم ينبس ببنت شفة، فعرفتُ بأن موقفه إنما ينمُّ عن "نكران الذات"، وليس نتيجة قصور معرفي، فقد كان المغفور له صاحب رؤية ثاقبة ومن ذوي المؤهلات اللغوية، ويحسن قراءة التاريخ وانتهاج سياسة معتدلة حين كان سكرتيراً للـ "الپارتي"، ومارس مهنته كمحامٍ بشرف، فلم يتبنَّ قضية أمام المحاكم إلا بعد التأكد من عدالتها، وامتاز ببراعته في الدفاع عن "الغلابة" من أمثالنا، وكان مرجعاً لزملائه المحامين في الجزيرة بشهادة زميله محمد نديم، الذي قال في توديعه تحت خيمة العزاء: ماذا جنى المرحوم من المحاماة، رغم أنه كان محامياً لامعاً.. لا شيء، رغم أن المحاماة كانت تدرُّ ذهباً يومذاك.