بعض (دكاكين) الأحزاب الكوردية في ذكرى التأسيس
محمود عمر
في البداية ـ وفي الذكرى السابعة والستين لتأسيس أول تنظيم سياسي للكورد في سورياـ ووفاءً ـ لا بد أن نشير الى فضل أولئك المناضلين المؤسسين الأوائل في تأطير النضال الكوردي في سوريا منذ خمسينيات القرن الماضي في أول تنظيم سياسي اختار أسلوب النضال الديمقراطي السياسي السلمي طريقاً وعنواناً حضاريًا لتحقيق أهدافه القومية المشروعة، ودورهم في نشر الوعي القومي الكوردي، والحفاظ على اللغة الكوردية كهوية جامعة للكورد في كل مكان وزمان، وإبراز الجانب المشرق لتاريخ الشعب الكوردي ودوره في بناء حضارات المنطقة قديما وحديثا، ودورهم كذلك في فضح المشاريع العنصرية والسياسات الشوفينية التي مورست بحق الكورد في سوريا، والتي كانت ترمي الى صهر الكورد في بوتقة القومية العروبية، وصولاً إلى المطالبة بالاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكوردي في سوريا في بلد ديمقراطي يحكمه دستور عادل يساوي بين الجميع المكوّنات والأفراد في الحقوق والواجبات.
خلال مسيرة النضال هذه دفع العديد من الكوادر حياتهم ثمنا لها، وقضى العشرات منهم أعواماً من أعمارهم خلف القضبان ناهيك عن النفي والتجريد من الحقوق والتهجير والمحاربة في لقمة العيش، ولكن ونظرا لأن البلاد قد ابتليت بالاستبداد لعقود من الزمن، الاستبداد الذي أتى على كل صغيرة وكبيرة متعلقة بالشأن العام، والذي صادر الحياة السياسية العامة، وحوّل البلاد الى صحراء قاحلة ينخر الفساد كل جسده المنهك، وفي ظل هذا الاستبداد الذي تحكم بكل تفاصيل الحياة وما رافقه من ظروف ذاتية مرتبطة بالعقلية الربوبية الريفية والرعوية المتحكمة في أعلى الهرم السياسي للحراك الكوردي والتي كبلت بمجموعها الحياة السياسية للحركة الكوردية، وجعلتها مقيدة وعاجزة في أن تخطو اية خطوة نحو الأمام.
لكل ذلك ولعوامل اخرى لا مكان لذكرها هنا، ظلت الحركة الكورية ـ ولغياب الحياة الديمقراطية وتداول السلطة في جسدها ـ تتشظى على ذاتها طيلة عقود من الزمن دون حسيب أو رقيب، وبحلول الأزمة السورية ولغياب الرقيب الأخلاقي تشظى المتشظي في اليمين واليسار والوسط على ذاته مرات متكررة، وظهر على جسد الحركة المتهالك أصلا ـ وكالفطر ـ العشرات من الأسماء الجديدة و انتشرت الدكاكين في كل مكان، وأتى المال السياسي على معظمها لتفقد جلّ هذه الاحزاب بوصلتها السياسية، وتحول معظمها الى ما هو أشبه بالدكاكين المرخصة من الممول الرئيس ـ خارج حدود سايكس بيكو السورية ـ هذه الحوانيت التي ابتليت بها الحركة الكوردية الخالية من أية بضاعة مفيدة وان وجدت فهي بضاعة نافقة أو فاسدة أو منتهية الصلاحية، وصدق من قال ان أكثر المستفيدين من الثورة السورية هم الثوارـ السياسيون السياحيون الجدد ـ أصحاب الحانات والدكاكين السياسية، هذا التوصيف الذي يصدق ذلك على الحالة السورية العامة، والكوردية على وجه الخصوص.
في ذكرى التأسيس هذا هو حالنا الذي لا يبشّر بالخير، ولكن ومن نواميس الكون ان الحياة تظل دوما محكومة بالأمل، وكما كان التأسيس صادقا ونبيلا فإننا نتطلع إلى أن تعود النفوس إلى رشدها وتقواها ليعود قطار الحركة إلى سكته ومساره الأصيل.
في ذكرى التأسيس لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالاً للذين قضوا نبلاً في سبيل نبل أهداف قضيتنا العادلة، ولا بدّ أن نرفع القبعات إجلالا للمؤسسين الأوائل نطلب الرحمة للذين رحلوا والعمر المديد والسعيد للباقين، وللعشرات من المناضلين الطيبين الذين بثمرة نضالهم وتضحياتهم لا زالت هذه القضية باقية صافية ناصعة وحية ترزق، وستنتصر عاجلاً أو آجلاً لا لشيء بل لأنها قضية مشروعة وعادلة.