عصر العبودية من جديد... الخلل في عقولنا

 عصر العبودية من جديد...  الخلل في عقولنا

عبدالحميد جمو

التنظيمات التي ولدت من رحم الأزمات المفتعلة في منطقة الشرق الأوسط بكافة أشكالها وبمسمياتها المختلفة "عقائدية، ايدولوجية، راديكالية...الخ" دون استثناء هي صناعة خارجية بامتياز، غربي مشترك، الغاية تحقيق أهداف تصبو لها، وخصوصاً أن الاتفاقيات المبرمة سابقا قد شارفت مدتها على الانتهاء، لذا لا بد من خلق الذرائع لإيجاد المبرر لعقد اتفاقيات على شاكلتها، وأعمق من سابقاتها تضمن ديمومة سلطتها وتبقى هي (تلك الدول) المتحكم الأوحد بمصير الشرق الأوسط.
لذا لجأت لأساليب تبعد عنها الشبهة تماما في إثارة القتن وخلق البلبلة، جعلت من الشرق الأوسط إجمالا منطقة توتر غير آمنة، والذي ساهم في إنجاح خططتها السلطوية المتسلطة على رقاب الشعوب التي ظلت تعاني من القمع و الاضطهاد بكافة اشكاله.
إن الشعوب الشرق أوسطية تنتظر شرارة توقد نيران الثورة الهائجة في داخلهم المتعطش للحرية، اعدت الخطط لإشعال المنطقة قبل انقضاء مدة الاتفاقيات، ولضمان نجاحها قرأت جيدا الأفكار التي تؤثر فيها، وجهزت لتشكيل مجاميع تحت مسمى (تنظيم ..حزب.. جمعيات.. لجان...الخ ) دربتهم جيدا، وحددت لكل منها أيديولوجيا وفكر يختلف عن الآخر، بطبيعة الحال لابد لها من تعيين مراقبين تضمن بهم حسن سير الخطط.
سأكتفي بالحديث عن الوضع السوري عموما الكوردي فيها على وجه الخصوص، حتى تبدد مخاوفها من اي فشل محتمل لا بد من خطط بديلة للإصلاح اعتمدت ما يلي:
1- الأخطر عليها هي الفكر القومي، وهنا لابد من تشتيته، عملت على إضعاف الفكر القومي بالترويج للأفكار المناهضة للأهداف هيأت لها اناسا قابلين للتحور بما يتناسب والدور المناط بهم، اغدقت عليهم الاموال ورفدتهم بكل الوسائل، وهيأت لهم الإمكانات للسير فيما أسند لهم، فعملت بداية على نزع الثقة من نفوس المتمسكين بالنهج وتوجيه انظارهم لنواحي فكرية أخرى أكثر قربا من تحقيق الهدف القومي فزرعت الشقاق وعملت على استنساخ الاحزاب واختلاف الآراء لدرجة الخلاف لتضمن التنافر والتناحر.
2- الدين: غير خاف التأثير الهائل للأديان السماوية على عقول البشر، للشعب السوري خصوصية في هذا المنحى رغم اختلاف المذاهب والاديان، إلا انه لم يشهد في تاريخ سوريا الحديث (على أقل تقدير) أي نزاعات دينية بل على العكس تماما كان هناك تقارب وتقبل وتبادل وجهات نظر بغض النظر عن الاختلافات الشكلية، هذا الأمر يثير مخاوف الطامح ويصعب عليه المهمة، وقد يكون هذا الأمر لوحده كافيا لإفشال خططه، إذاً لا بد من فك هذا الارتباط وزرع الفتن لإحداث نعرات دينية، جندت لذلك أشخاص يحملون صفات رجال دين وهيأتهم اكاديميا كُلاً حسب اعتقاده وحسب الطائفة التي ينتمي إليها، ولمعتهم ضمن مجتمعاتهم إعلاميا حتى استقطبت حولهم أناس بسطاء عاطفيين وقعوا بسهولة تحت تأثير أولئك فاستغلوهم شر استغلال.
3-العادات والتقاليد: لكل شعب من شعوب العالم عادات وتقاليد تنفرد بها تميزها عن غيرها من الشعوب الأخرى، وتعتبر كدستور ملزم لأبناء الشعب، لا يخرج عنه احد، حتى لا يعتبر شاذا منبوذا من ابناء قومه، هذه السمة تزيد من الترابط واللحمة بين أفراد جلده، هذا التماسك والايمان العميق يشكل حجر عثرة في وجه المطامع، فهي تمنع الافراد من الوقوع بسهولة في الشرك، مما يزيد من صعوبة مهامهم، وقد تنهيها في بعض الأحيان.
كان لا بد لهم (الغاصبون) من التفكير الجاد في كيفية إخراج هذا الشعب أو ذاك عن تقاليده ودفعه لترك عاداته الذي نشأ عليها، فروجت لأفكار تتنافى ومجتمعاتهم تحت مسميات عدة منها نظريات، فلسفة، حرية الفكر، التحرر للانعتاق من الأفكار البالية لمواكبة ركب الحضارة.
كان هذا الأمر سهل جدا عليهم من خلال المثقفين الجدد، ومما سهل عليهم الأمر أكثر هي الهجرات التي تعرضت لها الشعوب وتأثر البعض بالأفكار الوليدة.
3- العشيرة أو الطائفة: ينفرد الشرق الأوسط عموما والشعب الكوردي خصوصا الافتخار بالانتماء والنسب إلى العشيرة أو الطائفة أو العائلة.
مصدر بقائهم وسر قوتهم لذلك يلجؤون في كل ما يمسهم في الحياة إلى الحكم القبلي، مما يؤدي لتوحيد الآراء في كل ما يمس أفراد تلك الطائفة، وخصوصياتهم.
لذا يرون تفكيك العشائر ضرورة حتمية كي تسير خططهم في طرق النجاح، وحتى يتمكنوا من ذلك لابد من معرفة الثغرات التي تؤهلهم للدخول إلى العمق البنيوي للعشيرة أو القبيلة، ولا يحدث هذا الأمر إلا من خلال التفكك الاسري، فعملت بكل طاقاتها على ذلك، حتى تمكنت من ترويض الأبناء، وشدّهم لأفكارهم، ونشرت أفكار تخصُّ المرأة لتغييب دور الامهات، وزادت الأعباء على كاهل الآباء وشتتهم لينشغلوا عن دورهم الأساسي في البناء.
4- المرأة: للمرأة دور اساسي في كل ما سبق وهي العماد لبناء المجتمعات. ففي المجتمعات الشرقية للمرأة خصوصية تصل لحد القدسية، يناط بها الدور الأكبر من حيث تنشئة الأبناء وزيادة الترابط بين الأنساب وتوسيع العشيرة. المرأة في مجتمعاتنا سلاح ذي حدين، فهي سر من أسرار القوة إن حافظت على تقاليدها وصانت عهود القبيلة، ومصدر لجلب العار والهزيمة والانكسار للقبيلة ان شذت عن ذلك.
المرأة مستهدفة في غاياتهم، كان عليهم اولا إخراج المرأة من دائرة سطوة الاعراف، ومن ثم سلبها حياؤها وعفتها تحت مسمى الانفتاح والتحرر من سلطة المجتمع الذكوري، سيطرتهم على المرأة كاف لتفكيك وتدمير أي اسرة، وهذا ضمان لإنصياع القبيلة لقوانينها، وبهذا تستطيع بكل يسر وسهولة من فرض رغباتها عليهم.
بعد تحقيق ما سبق تلجأ إلى تشكيل مجاميع فئوية تسند لكل منها دور تحصر مهامها وكلهم يعملون لأجل مآربهم، البعض عن سبق اصرار، والبعض الآخر إيمانا بالمبادئ.