عدسة أكرم الملا الكاشفة...!
علي جزيري
بين يديَّ مجموعة مقالات سياسية للمرحوم أكرم الملا، الذي كانت تربطني به وشائج الأُلْفَة، سأظلُّ أعتز بها ما حييت؛ أعدّها للنشر - من باب الوفاء - الإعلامي عزالدين ملا، وتضمُّ بين دفتيها موضوعات شتى عن الشأن الكُردي العام، والجزء الكوردستاني الملحق بسوريا تحديداً، لأن هاجس تشريح الواقع الكُردي بعجره وبجره، كان لا يفارق مخيلته كصحفي متميز، إلى أن وافاه الأجل.
تناول (الملا) تشرذم الحركة السياسية الكردية في رۆژئاڤا، وغلبة شعور "الولاء" الحزبي في صفوفها، ولامبالاتها بهموم الشارع الكردي، ممّا تسبّب في حدوث شرخ بينها وبين الجماهير، مما أدّى ذلك إلى انزواء شرائح المجتمع المدني وفي مقدمتها أصحاب الكفاءات الشابة.
أما شريحة المثقفين، فتم التعامل معها من قبل مَنْ تبوَّأوا المفاصل الرئيسية في الأحزاب نظرة دونية، فوصموها بنعوت شتى، من قبيل "المثقف الضائع، المتراخي، الصامت"، وفي النتيجة تم إقصاء الكثيرين منهم، فأعادوا إلى الذاكرة تلك الأدبيات الشيوعية، التي شنت حملات باطلة ضد المثقفين، بعد أن أدرجتهم في خانة "البرجوازية الصغيرة".
الظاهرة السالفة الذكر، كانت كفيلة لبروز أنصاف المثقفين، وتبرعم آفة الاستزلام، وتفشّي نزعة الإحباط في أوساط الجماهير جرّاء ذلك، لكنْ سرعان ما ذاب الثلج وبان المرج، وانكشفت عورة السياسي المُضَلِّل والمثقف الانتهازي، ممن مضوا بشتى السبل لإقناع الجماهير بأن كل شيء ممكن في عالم السياسة، فلا مكان للقيم الأخلاقية فيها، فكل من يلج عالم السياسة يجب أن يضع ضميره على الرف...! هذه الأوهام التي روّجوها انطلت على السُّذَج، بيد أن الأمر اكتشف في النهاية، لكنْ بعد فوات الأوان، من هنا نفهم السبب الذي دفع بالرئيس الأمريكي Abraham Lincolin إلى القول في موقف مماثل: "تستطيع أن تخدع كلّ الناس بعض الوقت، أو بعض الناس كل الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت".
كما تناول أكرم الملا غزو الدب الروسي لسوريا، ومواقف أمريكا المترددة تجاه ما يجري، واصفاً إياها بذر الرماد في عيون السوريين، ناهيك عن مواقف إسرائيل والقوى التكفيرية التي زجتها تركيا وإيران في الجغرافيا السورية، ولامبالاة المجتمع الدولي إزاء محنة السوريين، بدليل وضعه لقرار مجلس الأمن 2254 على الرف، وغض الطرف عن استخدام النظام للأسلحة الكيميائية في أكثر من موقع، وتهجيره نصف الشعب السوري، رغم الأدلة الدامغة في ملف "قيصر" الذي يضم عشرات آلاف صور ضحايا التعذيب.
أما ظاهرة التطرُّف السياسي والوصاية التي ابتلينا بها، فيدرجها الراحل في إطار الظواهر المرضية أو الـ "أنا" المتضخمة، لأن الكثيرين أصيبوا بهذه العاهة، بمن فيهم الكثير من المخدوعين، ممن توهّموا أنهم قد بلغوا شأواً رفيعاً من الوعي السياسي والإدراك الفكري، فسعوا لفرض وصايتهم على رفاق الآخرين ممن تبقى متشبثاً بالأرض، ولاسيما حين تمكنوا من امتلاك السلطة والسلاح في آن، وكشف بذلك النقاب عما جرى ويجري مشيراً إلى طباع الحجل المتجذّر فينا، حين يستميت للإيقاع ببني جلدته في فخاخ الآخرين
في كلّ الثورات والانتفاضات الكُردية، ثمة حجل كُردي يلعب دور حصان طروادة بقبقبته، ويتواطأ مع الصياد مُمهّداً الطريق أمام العدو، لإجهاض الحلم الكُردي في انتزاع الحرية.