الثورة السورية.. والكُرد في غرب كوردستان
فرهاد حبش
أثرت الثورة السورية التي بدأت في عام 2011، بشكل كبير على مختلف القضايا الداخلية والإقليمية والدولية، بما في ذلك القضية الكردية في سوريا. هذا التأثير كان في الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية.
شكلت هذه الثورة التي تحوّلت فيما بعد إلى حرب أهلية لكثرة المتدخلين في شأنها، نقطة تقدم بارزة في تاريخ القضية الكردية وحركتها القومية في سوريا. فقد تسببت بتقدمٍ ملحوظٍ في مسارات العمل السياسية والدبلوماسية الكردية، وحتى الجوانب العسكرية شهدت تحولات جذرية.
باستثناء عدد قليل من الأحزاب الكردية، بقت العديد الأحزاب الكردية مترددة باتخاذ قرارها تجاه المشاركة في الحراك السلمي إلى جانب الشعب السوري خلال الثورة السورية، إلا أنه بعد 26 أكتوبر 2011، اجتمعت الأحزاب الكردية في مدينة قامشلو ونظموا تشكيلًا سياسيًا بغاية توحيد مواقفهم تجاه الأحداث في سوريا، تحت اسم "المجلس الوطني الكردي في سوريا". وأصدروا بيانًا صريحًا يحدد مطالبهم، داعين إلى "اعتماد الفيدرالية في سوريا بعد رحيل النظام السوري وتحقيق اللامركزية السياسية".
ومع ذلك، امتنع حزب الاتحاد الديمقراطي ب ي د عن المشاركة في الحراك السلمي إلى جانب القوى الثورية السورية، نتيجة لعلاقاته السياسية المتميّزة مع النظام السوري والمحور الإيراني.
على الرغم من محاولات التوصل إلى تفاهم مع الحركة السياسية الكردية بشأن القضية الكردية والوضع في سوريا، بما في ذلك التفاهمات المبرمة مثل اتفاقيات هولير 1 و 2 ودهوك بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، إلا أنه لم يتوافق ب ي د من مع هذه الجهود والمبادرات.
بفعل المتغيرات التي شهدتها الحركة الكردية، انقسمت إلى جبهتين متضادتين: الأولى دعمت الحراك السلمي بجانب المعارضة السورية، بينما انحاز الطرف الآخر إلى النظام السوري، وأكمل عملية تسليم واستلام المناطق الكردية بينهم. وعلى وقع اندلاع الأزمة في مناطق غير كردية بسوريا، تبين عجز النظام عن حماية الأمن والاستقرار، مما دفع إلى تسليم تلك المناطق لحزب الاتحاد الديمقراطي بفعل هذا التحالف، أصبح ب ي د عاملاً أساسيًا يقف في وجه كل من يتعارض مع النظام السوري. ولكن تغيّرت هذه العلاقة بعد دخول تحالف دولي لمحاربة تنظيم داعش في سنة 2014 عندما سيطر تنظيم داعش على منطقة كوباني، وتشكيل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتلقى دعمًا من تحالف دولي.
ووصلت الدراسات إلى أن القضية الكردية لم تعد قضية محلية محصورة في إطار الأمن فقط، بل تحوّلت إلى قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية نتيجة للتدخلات والتغييرات الدولية في سوريا. وبناءً على ذلك، أصبح الكرد ورقة ضغط في أيدي القوى الدولية لتحقيق مصالحها في سوريا.
رغم عدم الاعتراف الدولي بالإدارة الذاتية التي شكّلها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال وشرق سوريا من الناحية السياسية، فإن وجود المجلس الوطني الكردي في المحافل الدولية، سواء من خلال ائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أو من خلال هيئة التفاوض، يعزز مكانة الكرد ودورهم في عملية صياغة دستور سوريا الجديد.
من ناحية أخرى، كان للأزمة تأثير سلبي على الكرد، حيث قامت عناصر مسلحة تتبع للجيش الوطني السوري، وبدعم من تركيا باجتياح عدة مناطق كردية واحتلالها مثل (عفرين، سري كانييه، و گرێ سپی). تعرضت هذه المناطق لانتهاكات وجرائم ممنهجة ومخططة ضد الكرد بهدف تغيير التوزيع الديموغرافي، خصوصاً في منطقة عفرين بسبب قربها من البحر المتوسط، بهدف عرقلة مشروع الكرد للوصول إلى منفذ بحري.
باختصار.. تجاوز الكرد من خلال الأزمة السورية مرحلة لا عودة فيها إلى الماضي، وأصبحت قضيتهم ذات أهمية استراتيجية عالية لا تقل عن القضايا الإقليمية. ومن المؤكد أن لهم دوراً مهماً في تشكيل مستقبل سوريا نحو الديمقراطية والاستقرار.