احذروا أيها الآباء! أقرانكم ماتوا بدور العجزة!!
صالح محمود
لقد امتلأت أوروبا بأعداد هائلة من المهاجرين السوريين-ياترى -كيف سينتهي بهم المطاف؟ وما الصورة التي ستكون عليها أعوامهم الأخيرة؟ وهل من أمور تستدعي الخوف من المستقبل والقلق بشأنه؟ هل فكّر أحدهم بهذا؟ لاشكّ أنّ أولئك الهاربين من مآسي حرب ضروس، ومن أوضاع سيئة كالجحيم لم يكن لديهم متسع من الوقت ليفكّروا بما سيحلُّ بهم في المستقبل في أرضٍ غريبة ليست لهم، ولكن بعد أن تهدأ العاصفة، وينقشع الغمام وتتوضح الرؤية تبدأ مثل هذه الهواجس بالظهور
لعل هذه مسألة تستحق بعض الاهتمام والتوقف لأنّ الأمور بخواتيمها ونهاياتها، وتبدو في الأفق تراجيديا حزينة ترافق، وتغلّف المشاهد الأخيرة من حياة الناس هناك، ولا شكّ إنّ المقولة المحمدية القائلة"من عاشر قوما ًأربعين يوماً صار منهم" هي عين الحقيقة وهي الأقرب إلى الواقع، وبالتالي الشيء الذي ينطبق على الآخر الجديد الذي تعاشره، وتخالطه ينطبق عليك تماماً، وهذا الآخر كيف يعيش؟ وماهي أساليب حياته؟ والأعوام الأخيرة من عمره كيف يقضيها؟ وبالتالي ستكون حياتك وطريقة معيشتك قريبة ومتطابقة إلى حدٍ بعيد مع طريقة عيش هذا الآخر الغريب عنك وفي كل شيء فأغلب الأوروبيين يموتون في دورٍ للعجزة هذا اذا لم يموتوا في عمر الشباب، وهذا بالنسبة لهم ليس أمراً معيباً، ولا عاراً، بل على العكس هو أمر يكاد يكون عادياً لأن طبيعة حياة الأسرة وطريقة عيشها هناك تؤدي إلى هذه النتيجة وتفرزها على الأغلب.
مقدمات هذه الظاهرة تتجلى في إنّ الطفل مثلاً بعد أن يبلغ سن البلوغ يسكن بمفرده في مساكن للشباب، ويعيش وحيداً وتقتصر العلاقة بينه وبين أهله على الزيارات فقط، وهذه الزيارات تقلُّ وتتقلص شيئا فشيئاً حتى تتلاشى، فالشاب يزور أمه ويزور أبيه ولكنه لا يعيش معهما، وتمضي العلاقة هكذا بين الآباء والأبناء، وشيئاً فشيئاً تتقلص، وتضعف روح الأسرة التي هي الخلية الأولى في المجتمع، والروابط التي تربط أعضاء هذه الخلية تصبح واهنة وهشة، حسب العقلية الغربية أو المنطق الغربي فإن حادثة التقاء الأب والأم في لحظة نشوة حارة وإنجابهما لطفل هي ثمرة للقائهما الحميمي، ولا يعني إنّ هذا الطفل هو ولدهما أو مسؤوليتهما لوحدهما، فالعكس تماماً هو الصحيح، فالدولة هي الحاضن الأول لهذا الطفل وهي التي تكلف الوالدين برعايته حتى يبلغ سن الرشد ليس إلا والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق الدولة التي تتحمل مهمة تربية ورعاية هذا الطفل، ولا يعدُّ الوالدان مسؤولين عن ولدهم وفلذة كبدهم ولا يعدُّ لهما سيطرة على أفعال وتصرفات الأبناء الذين يتحملون المسؤولية الكاملة عما يقومون به، فالشاب يبني علاقات مع هذا وذاك دون الرجوع إلى أحد ويرافق فتيات ويصاحبهن وينجب منهن أطفالاً حتى قبل أن يتزوج وبعد أن ينجب أطفالاً قد يقرر الزواج أو يبقى عازباً وأباً بالوقت نفسه، وكذلك الأمر بالنسبة للفتاة فهي بعد أن تبلغ سن الرشد تملك كامل الحق أن تعيش، وتسكن لوحدها في سكن خاص بها والأبوان ليسا قوّامَيْن عليها، وهي حرة تفعل ماتشاء دون رقيب أو حسيب، وليس لأحد الحقّ في أن يتدخّل في حياتها وفي تصرفاتها وهكذا تستمر الحياة، والأبوان عندما يتقدمان في العمر، ويشيخان ولا يستطيعان خدمة أنفسهما يلجآن إلى دور العجزة للعناية بهما ويقفان في طابور انتظار الموت هناك بعيداً عن الذرية والأولاد، وهذه الدور هي عبارة عن مخازن للموتى وهي محطات في انتظار الموت، في بلادنا أيضاً توجد دور للعجزة، ولكن المجتمع يقرع ويذم كل من يضع أبويه في هذه الدور، والغالبية العظمى من شعبنا لا يعرف أين تقع هذه الدّور أصلاً ! لأن المنطق الديني والأخلاقي لا يحبّذُ ذلك، وهذا الأمر مذموم في مجتمعنا، وكيان الأسرة في الشرق متماسك ومتين والألفة والرحمة والمحبة بين أعضائها حاضرة وموجودة.
الأوروبيون يعيشون حياة فردية باهتة لا لون لها ولا طعم أما نحن فنعيش حياة جماعية ومشتركة، فأية حضارة تلك التي تعوم على كيان عائلي مفكك ومهدّم!! فمن غير المعقول أن يكون تفكك الأسرة من عوامل وشروط بناء وقيام حضارة بل على العكس هو من مظاهر ونتائج انحلالها وتفسخها واقتراب نهايتها، ففي عرفنا وفي معتقدنا إن وضع الآباء والأمهات في دور العجزة هو الحكم عليهم بالموت البطيء دون أن يقترفوا أي ذنب، فقط لأنهم كبروا في السن، وشاخوا في الوقت الذي من غير المطلوب أن يشيخوا أو يكبروا في العمر، ولا أجد تفسيراً لكل هذا الجحود بحق آباء وأمهات أحرقوا أعمارهم ليربّوا أبناءهم وكذلك لا أجد مبرراً كافياً لكل هذا الاهتراء الاجتماعي، فالمسّنون يحتاجون إلى رعاية خاصة، وخير رعاية هي رعاية الأبناء فهم لا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم، ولا يقدرون على ذلك فهم يشعرون بالملل وتخور قواهم وتضعف ذاكرتهم وهم بحاجة إلى تفاعل وتشابك اجتماعي وإلى روابط اجتماعية تحفزهم على العيش والبقاء، وهذا الأمر جوهري وهام عندهم، ويتمخض عنه تفاؤل وإقبال على الحياة.