شجرة الكينا تخون أيضاً...!

شجرة الكينا تخون أيضاً...!

علي جزيري

تعكسُ المجموعةُ القصصيةُ الثانية لـ «ماريا عباس»، معاناة النساء اللواتي هُجرن من ديارهن، وفقدنَ أزواجهن وأبناءهن؛ وتركت كارثة الحروب الدائرة رحاها ندوباً في أرواحهن.
تبتكر القاصة في قصة (شجرة الكينا تخون أيضاً)، التي اتخذتها عنواناً للمجموعة، الكثير من الأسس البنائية، في سياقٍ سردي شيِّقٍ، ولغة سلسة، وخيال خصب، ناهيك عن هندسة الأحداث وفق ترتيب زمني تربطها حبكة سببية آسرة، مما أضفى كل ذلك على قصتها تلك وشاحاً من الجَمَال الفني، لتعبر عن رؤاها في إدانة التنظيمات الإرهابية والتكفيرية، التي انبثقت من صلب «الإسلام السياسي»، بعد أن أنيط بها أداء دور كلاب الصيد لمصلحة دول الجوار.
تتلقّى بطلة القصة ليلى - وهي حامل بمولودتها البكر - مكالمة من مجهول يزفَّ إليها نبأ استشهاد زوجها، قائلاً: «مبروك عليكِ لقب أرملة الشهيد»، فيقع عليها الخبر كالصاعقة...!
وحين تُرزقُ بـ "ميرآف"، التي ارتادت المدرسة بعد سنوات على متن ذات الحافلة، تنتظر أمها المكلومة عودتها كلّ يوم بفارغ الصبر، تعانقها، وتقبّل جبينها، وتدعو الله أن يحفظها من الشرور. بيد أن أعباء البيت بدأت تثقل كاهلها يوماً بعد يوم، فراتب زوجها الشهيد، وما كانت تتلقاه من أختها في السويد بين الفينة والأخرى، لم تعد قادرة على التخفيف من وطأة أزمة المعيشة المستفحلة. وحين عرضت عليها أختها ذات يوم أن تتزوج من رجلٍ نازح في السويد، وأوأمت لها بدخله الجيد، وانفصاله عن زوجته وأولاده، مؤكدة بأنها اشترطت على المذكور أن تجلب معها ميرآف.. إلا أن ليلى خيبت أملها، ولم تكترثْ بعرضها المغري، ورفضته رفضاً قاطعاً، وازدادت إصراراً على الوفاء لزوجها.
مضت الأيام، وازدادت مخاوفها جرّاء غمزات الناس ولمزاتهم، ولاسيما بعد أن تحرّش بها صاحب الدكان. رغم أنها انتفضت لحظتها كاللبؤة، وبصقت في وجهه، وحين سمعته يقول: أنتِ مازلتِ شابة، ولا ينقصكِ سوى حنان رجل مثلي، ولا أريد منك سوى الحضن الدافئ.. ردَّت: لا تظنن بأنك ستنال مبتغاك أيها المعتوه السافل...! وخرجت لا تلوي على شيء.
كانت ميرآف تثقل كاهل أمها بأسئلتها: هل سيعود أبي يوماً؟ أين هو؟ فتجيبها الأم: إنه يعيش في السماء. فتطلق حينذاك الطفلة الآهات وتقول: آه، لو تحدثتُ مع بابا مرة واحدة، كي أخبره عن رفيقاتي ومدى اشتياقي واشتياقكِ له يا ماما.
وتُختتم القصة بفاجعة مؤثرة.. فذات يوم، وأثناء إحدى الفرص، تدعو ميرآف زميلتها سعاد لتسلُّق شجرة الكينا الوارفة، التي تعانق عنان السماء، تلك التي تظلل باحة مدرستهما، كي تروي لوالدها، كل ما يخطر في بالها، وتثلج قلبه: عيد ميلادها الذي يصادف يوم غدٍ، وإصرار أمها في رفض الزواج من ذاك الرجل، رغم أن خالتها استماتت لإقناعها من دون جدوى.
تسلقت ميرآف الشجرة وحدها، وصعدت عالياً، وتغمرها اللهفة، فكلها أمل أن تكحل مقلتيها برؤية والدها، بيد أنها هوت من علٍ وتلقى حتفها في الحال. تجمدت صديقتها من هول ما جرى، وبقيت عيناها مثبتتين على شجرة الكينا، التي "لم تهتز لها قصبة"...! بَيْدَ أنها لمحت روح صديقتها تحلق كغيمة في السماء.. وظلت الأم كـ "غودو" في انتظار قدوم الحافلة التي لم تعد...!