سيمفونية عفرين

سيمفونية عفرين

د. عبدالحكيم بشار

كم تمنيتُ لو كنتُ شاعراً، ولو لدقائق معدودة، لا لكي آتي بما هو خارق من الخيال، أو أختلق صوراً أدبية لم تخطر على البال، إنما لأتمكن من استنطاق مشاعري إزاء ما أراه أمامي الآن، لأعبر بيسر وبلغةٍ فنية دقيقة عما يجول في خاطري، لأصيغ، ما أشاهده على شكل قصيدة أو ملحمةً تليق بعفرين وسكانها.
اللوحة الأخاذة التي لم تفارق مخيلتي، وما تزال تتجول فيها، تخص حفلاً عائلياً لأحد أبناء منطقة عفرين، حيث دعاني بعض الأصدقاء للمشاركة في حفلة خطوبة ابن أحد الأخوة النبلاء في عفرين عن طريق صديقي شيخ سعيد زادة، ففي بادئ الأمر ترددتُ كثيراً في تلبية الدعوة لسببين:
أولهما ، لأنني جئت عفرين ضمن وفد رسمي ،في زيارةٍ رسمية، وفي الزيارات الرسمية عادةً ما تغيب المشاعر الحقيقية كون الجانب البروتوكولي هو الطاغي طوال مدة الزيارة للمكان المقصود، كما أن تفاعل المرء ضمن الزيارات الرسمية إلى مكان ما لا يشبه الحالات الأخرى، فالزيارة الرسمية تحرم الزائر من التصرف والتعبير بشكل عفوي حر.
والسبب الثاني الذي جعلني أتردّد هو خشيتي من أن أرى ما لا يسر خاطري، فتصورت بأن يكون الحضور في الحفل مختصراً على كبار السن، ممن تُركوا لوحدهم في هذه الديار بعد أن انتشر الأولاد والأحفاد في مختلف أصقاع المعمورة، رغم أن ذلك المشهد أي بقاء كبار السن لوحدهم من المؤكد لا يقلّل من أهمية تلك الجذور المترسخة في تربة المنطقة، ولكن غياب الأطفال والشباب في أي منطقة يبعث على اليأس، حيث هم الذين يبثون النشاط والحيوية في أي مكانٍ يتواجدون فيه، وهم رايات الغد التي ترفرف عالياً في الآفاق، كما أنهم الجيل الذي سيستلم دوره في رعاية الأشجار التي ورثوها عن أجدادهم.
لكن بعد طول تفكير وعقب إيراد عشرات الاحتمالات التي قد لا تسر خاطر الزائر، وبعد مفعول مونولوجٍ داخلي متلاطم الأمواج، لبّيتُ دعوة الأصدقاء ويدي على قلبي خوفا من نتائج ما.
وهنا لن أتحدث عن حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، الذي فاق المتوقع، من قِبل أهل العريس، حيث أن ذلك ليس غريباً على أهالي عفرين، لكن ما رأيته من فتيات هن بمثابة بناتي وبمنتهى الأناقة والرقي، خُيّل إليّ وكأنهن حوريات قادماتٍ للتو من أقاصي الفردوس، ورأيت شباباً في منتهى الرشاقة واللطف وكأنهم خلقوا خصيصاً لبعث المرح و لإحياء هكذا مناسبة، حتى يجعلوا الحفل أكثر إشراقاً، ولكي يطيلوا بعمر البهجة كقاماتهم الفارعة، كما التقيت برجالٍ جُبلوا بزمزم الحياة وهم يفيضون بالكرم والنبل والأصالة، والتقيتُ بكردياتٍ متمدنات خِلتُ بأنّهن أصل النسل البشري المتحضر.
فبعد هذه الصورة الوردية وتلاقحها مع حقول الزيتون المصرة على أن تبقى خضراءأبداً، ترعاها أيادي أصحابها الكرد الذين تشربوا الودّ والحنان.
تداخلت الجبال والسهول والوديان في جغرافية عفرين التي لا تشبه إلا نفسها، أدركت بأن أهل عفرين لا يستخرجون من الزيتون الزيت فحسب، بل يصنعون في هذه الديار معاني الحياة بكل تنوعها، فرغم الظروف الاستثنائية التي مروا بها، ما تزال أقدامهم راسخة في الأرض رسوخ جبالهم، وانتماؤهم لمدنهم وقراهم أعمق من وديانهم، ولا أبالغ إن قلتُ بأن اجتماع صورة العرس والطبيعة والجمال واللطف والكرم والنبل شكّل في ذهني سيموفونية حقيقية على أرض الواقع، وهي لعمري أكثر جمالا وتعبيرا من سيمفونية موزارت وبيتهوفن وتشايكوفسكي وكل سيمفونيات العالم، إنها سيموفونية عفرين.