دق جرس الموت .. فهل من مذكر؟

دق جرس الموت .. فهل من مذكر؟

فرهاد شاهين

بين فينة وأخرى أردّد في نفسي أبيات الشاعر أبي الطيب المتنبي التي تقول:
من لم يمت بالسيفِ ماتَ بغيرهِ
تعددتِ الأسبابُ والموتُ واحدُ
والهــمُّ يختـرمُ الجسيــمَ نحافـةً
ويشيـبُ ناصيـة الصبي ويهـرمُ
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ
وأخـو الجهالة في الشقـاوة ينعـم
فأًعترض على مقولته (الموتُ واحدُ) لأجد انه يقصد النتيجة ولا يقصد الموت نفسه.. ذلك لأني رأيت أن الموت أنواع.. وها نحن في بلادنا نشهد هذه الأنواع كلها.. فما بالكم بـ (موت الذمة والضمير)، وما هو (موت الإحساس بالآخرين) و (موت الشعور بالمسؤولية)؟ وماذا عن (موت الروح الوطنية) و (موت المشاعر والعواطف) بل وما قولكم بـ( موت حفظ الأمانة) و (موت الشعور بالكرامة) ، و (موت الإيمان) و(موت الشعور بالعزّة ) .. بل و(موت الأخلاق) عموماً .. وقد قال الفيلسوف الألماني نيتشه منذ سنين بعيدة بـ(موت الله) ؛ ولم يكن يقصد موت الخالق سبحانه كما يتصوّر بعض الناس بل موت الأخلاق والقيم والوصايا التي أنزلها الله تعالى على البشر لتكون نبراساً لهم للسلوك في الحياة الدنيا، ولهذا دعا نيتشه حينها الى أن يتكفل الإنسان بهذه المهمة؛ أي أن يقوم هو بوضع نبراسه في الحياة وأخلاقه ما زال قد عمل هو نفسه على (موت الله) ..
وبعد كل هذه الأنواع من (الموت) التي ذكرتها والتي لم أذكرها، هل بقي من الإنسان شيء يدل على إنسانيته؟ بل هل بقي من سبب يدعوه الى البقاء على قيد الحياة (بيولوجياً) يأكل ويشرب ويمارس قذاراته كلها.
عندما يموت إنسان ما (موتاً بيولوجيًا) فقد يخلق بعض المشكلات لمن هو قريب منه في حياته، وقد لا يخلق .. ولكن عندما يموت الإنسان هذه الأنواع من الموت التي ذكرتها والتي على شاكلتها، فإنه يخلق أكبر المصائب على الناس عندما يكون مسؤولاً عن أمانة شعب بكامله من نواح مختلفة. وجل ما أخشاه أن تكون هذه الأنواع من الموت هي عبارة عن أمراض معدية قد تصيب الشعب بكامله ...فلا نعلن بعدها عن (موت الله) ولكن نعلن عن (موت شعب) كان من أكثر الشعوب مفعماً بالحياة ...