الورقة الكوردية.. الرابحة في الشرق الأوسط الجديد القادم
شكري بكر
بالرغم من أن الهم الكوردي مشتت ومجزأ في الإطارين العام والخاص، كما هو معلوم وواضح، فعندما جاء الاستعمار الأوربي الأنجلو فرنسي إلى المنطقة بهدف وضع مخطط بما يناسب مصالح الدولتين، وكان النصيب الأكبر في هذا التقسيم في تركة الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية اللتين حكمتا مجمل منطقة الشرق الأوسط طويلة، وكانت الخسارة لجميع شعوب المنطقة، إلا أن المتضرر الأكبر كان الشعب الكوردي في تجزئة المجزأ، حيث تم تقسيمه إلى أربعة أجزاء وإلحاق كل جزء بدولة، مع بقاء كوردستان الحمراء تحت النفوذ السوفيتي آنذاك.
كان لقيام الثورة الكوردية في كوردستان العراق بقيادة الخالد مصطفى البارزاني أثرٌ كبيرٌ في نفوس الشعب الكوردي والتي وضعت بموجبها خارطة الطريق لحل القضية الكوردية في العراق، وذلك عبر رفع شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان.
أبدت هذه الثورة صمودًا رائعًا وبطولات عظيمة، هذا الصمود أجبر النظام العراقي للاعتراف بها والجلوس معها على طاولة التفاوض، وكان من أهم ثمارها اتفاقية 11 آذار لعام 1970 والتي تعرضت للمؤامرة في الجزائر من قِبل النظامين العراقي والشاهنشاهي في إيران، والتي بموجبها تنازل النظام العراقي عن بعض مناطق نفوذها في الخليج مثل جزيرة أبي موسى والطنب الكبرى والطنب الصغرى لصالح النظام الشاهنشاهي في إيران، واستمرت هذه الثورة دون كلل أو ملل.
في هذه الأثناء اشتعلت الحرب في أفغانستان التي كانت معقلاً لشبكات تهريب المخدرات إلى العالم الخارجي، ونشوب الحرب الأهلية في لبنان وانجرار النظام السوري على التدخُّل لصالح بعض الأطراف اللبنانية ضد أطراف لبنانية أخرى، وقد قدّم النظام السوري الدعم لبعض الشخصيات اللبنانية، وتوج هذا التدخل بتشكيل حزب الله اللبناني الذي قام بتعطيل كافة مؤسسات الدولة اللبنانية.
وما كان لمجيء ما سُميّت بالثورة الإيرانية في عام 1979 بقيادة آية الله الخميني إلا نقلة نوعية في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط من قِبل دول مراكز القرار لدى المجتمع الدولي، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية وذلك عبر تبنّي مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، مما دفع بأمريكا بزرع خلافات في البيت الإسلامي سني - شيعي، وترسيخ هذا الخلاف حتى أصبح دموياً بتصفية بعضهما البعض في العديد من الميادين، وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق قد فتحت آفاقًا واسعة أمام دول التي كانت منضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي ونيل دول الاتحاد لحريتها واستقلالها.
كان لحرب الخليج الأولى الأثر الكبير في دفع المنطقة نحو تصعيد جديد بين المحورين الإقليمي والدولي، والذي مهد الطريق لحرب الخليج الثانية وتشكيل التحالف الدولي ضد العراق بقيادة الرئيس العراقي المقبور صدام حسين، وذلك عبر فتح ملفات عديدة منها المتعلقة برأس النظام العراقي صدام حسين، وكان الملف النووي العراقي هو أبرز تلك الملفات. بالإضافة لإقدام النظام العراقي بقصف مدينة حلبجة الذي راح ضحيتها الآلاف من أبناء شعبنا الكوردي.
ومع انتهاء حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران عام 1988 والتي لم يحقق فيها أي انتصار لكلا البلدين.
في هذه الأثناء لم يعد النظام العراقي موضع الأمن والأمان والاطمئنان، حيث بإعلان الحرب الشاملة ضد المعارضة العراقية، وبالأخص ضد الكورد، هذه الحرب التي نجم عنها الهجرة المليونية نحو كل من إيران وتركيا.
مع الهجرة المليونية هذه عام 1991 دخلت القضية الكوردية مرحلة جديدة والتي جعلت من المنطقة الكوردية منطقة حظر جوي عبر مشروع تقدمت بها فرنسا بوضع المناطق الكوردية منطقة حظر جوي، وانضمت إليها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وصدور القرار 688 الخاص بجعل منطقتي الشمال والجنوب العراقيين مناطق حظر جوي للحد من حروب صدام ضد الشمال والجنوب.
هذه الأجواء دفعت بالنظام العراقي للإقدام على غزو الكويت، هذا الغزو دفع بالمجتمع الدولي للمطالبة بانسحاب العراق من الكويت.
كانت لعملية غزو الكويت حاجة ملحة في إقامة تحالف دولي ضد النظام العراقي لإجباره على الخروج من الكويت، لقد تمت تلبية هذه الحاجة في إقامة التحالف الدولي بإعلان الحرب على النظام العراق من النافذتين العراقية والدولية، حيث تشكلت المعارضة العراقية، وشنت الحرب على النظام العراقي وانتقل العراق إلى مرحلة انتقالية، وتكليف بول بريمر بإدارة المرحلة ليتم خلال هذه الفترة بكتابة دستور جديد يكون قوامه دستوراً اتحادياً فدرالياً، وتم تشكيل لجنة كتابة الدستور، واتفاق مجمل المعارضة العراقية على إقامة النظام الاتحادي الفدرالي .
والمعمول به حتى الآن.
بانتقال العراق من دولة الحزب الواحد والقائد الأوحد إلى نظام اتحادي فدرالي حر، والذي بات مصدر خطر لبعض دول المنطقة، مما دفع بهذه الدول التدخل في الشؤون الداخلية للعراق بهدف القضاء على تلك التجربة الرائدة في منطقة الشرق الأوسط والتي هي الآن ساحة لتصفية الحسابات، وأعتقد أنه ليس بمقدور أية دولة أن تنال من تلك التجربة، بل ستلقي بظلالها على الدول الجوار.
هذه التجربة الرائدة جعلت من شعوب المنطقة لتنتفض في وجه أنظمة حكامها، والتي عرفت فيما بعد بثورات الربيع العربي والتي شملت أغلب الدول العربية، تونس ليبيا مصر، اليمن وسوريا. هذه الدول لا زالت في مرحلة الفوضى واللا استقرار في هذه الدول إلا بانتقال تلك الدول إلى الديمقراطية ومنح كل ذي حق حقه، القومي والديني والمذهبي والطائفي.
في هذه ظل هذه الأحداث أعتقد أن القضية الكوردية هي الورقة الرابحة في الشرق الأوسط، يتوضح هذا عبر الحضور الكوردي في جميع المحافل الإقليمية والدولية.
العديد من دول المنطقة تحاول التقرب بالكورد أو بتصحيح المسار والتعامل معه بإيجابية وواقعية، وما لزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى هولير في هذا الإطار والمحافظة على المصلحة المشتركة بين الإقليم وتركيا، وقد يكون لتركيا مطالب لدى حكومة الإقليم تتعلق بقضايا أمنية واقتصادية وتجارية والموارد المائية بالإضافة لملف حزب العمال الكوردستاني وتواجده العسكري والسياسي في كل من الإقليم وكوردستان سوريا.
وقد يكون المطلب التركي محقًا في إنهاء قواعد حزب العمال الكوردستاني في تلك الساحتين، أو لإجباره بنقل ساحة عمله إلى الداخل التركي.
المنطقة برمتها مقبلة على متغيرات لجعلها منطقة أمن وأمان وسلام لجميع شعوب المنطقة بعد منح الحق لكل ذي حق حقه.