المعارضة السياسية

المعارضة السياسية

محمد رجب رشيد

تُعَدُّ المعارضة السياسية إحدى أهم ركائز الديمقراطية، ومظهراً من مظاهر التعددية السياسية، وضرورةً من ضرورات المصلحة الوطنية، وجزءاً لا يتجزأ من أنظمة الحُكم الشرعية، إنّها بمثابة النصف المُخفي والمُكمِّل لدائرة الحُكم في البُلدان ذات الأنظمة الديمقراطية.
فالمعارضة السياسية للنظام الحاكم كالنقد البنّاء للإنتاج الأدبي، فكما لا أدب بدون نقد بنّاء -هكذا قال مدرّس مادة العربي في المرحلة الثانوية عندما شرح لنا أهمية نقد المواضيع الأدبية- كذلك لا أنظمة ديمقراطية شرعية بدون معارضة سياسية وطنية فعّالة، ليس هذا فحسب بل لا يمكن تصوّر ديمقراطية بدون وجود معارضة حقيقية سلميّة متبلوِرة في الداخل، غير مصنوعة في الخارج، ولا تهدِّد السِلم الأهلي.
من المؤكّد أنّ المعارضة السياسية ليست وليدة هذا العصر، بل قديمة قِدم الإنسان والسياسة، كانت معارضة شعبية عفوية صامتة غير راضية عن ممارسات الحُكّام الظالمين، بين الحين والآخر كان البعض من أفرادها يخرج عن المألوف، ويكسر حاجز الصمت بإعلان احتجاجات أو ثورات ضد السلطات الحاكمة بغضِّ النظر عن نتائجها.
الآن مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبح صوت الجماهير مسموعًا للجميع، يتميّز صَداه بقوّة التأثير النفسي والتعبئة الجماهيرية، لكنّها ومع الأسف لا تستطيع مغادرة فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، والنزول الى الواقع والاشتباك مع الأنظِمة الحاكمة بصورة منظمّة، يعود ذلك إلى افتقارها لمنظومة القيادة والسيطرة وآليات التغيير.
حيث تكون الوطنية سائِدة تجد معارضة سياسية فاعِلة، وحيث تكون غائِبة لا تجد أيَّ شكلٍ من أشكالها، وإن وُجِدت تكون مشلولة كالجبهة الوطنية التقدمية في سوريا. الأمر الذي يؤكِّد أنّ التفاعل الإيجابي بين الأحزاب الحاكمة والأخرى المعارضة ظاهرة صحيّة، تكرِّس مبدأ تبادل السلطة، وتساهم في نشر الاستقرار والحفاظ على السِلم الأهلي في البلاد. بِخِلاف ذلك تكون البلاد عُرضةً للانهيار في أي لحظة، فمازال مثال الدول الاشتراكيّة وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي ماثلًا في الأذهان، فقد سقطت من تلقاء نفسها دون أي تدخّل خارجي، لأنّها كانت تحمل بزور انهيارها في داخلها.
المعارضة السياسية الوطنية تتجنّب الاعتراض على النظام العام والدستور المعمول به في البِلاد، وتُعتبَر مشارِكة في الحُكم باستثناء اتخاذ القرارات، تُمارس عملها في الظِل من خلال أحزاب وقِوى وحركات ونُخب سياسية فاعِلة، تأخذ على عاتقها مراقبة ونقد عمل منظومة الأحزاب السياسية المهيمِنة والمتحكِّمة بالسلطة، ومدى مشروعية السُلطات الثلاثة (الشرعية، القضائية، التنفيذيّة) في ممارستها لصلاحياتها الدستورية والقانونية وأهمية الفصل بينها، وتصحيح أدائها بكافة الوسائل السلمية التي يتيحها الدستور، وذلك من أجل الوصول إلى وضع سياسي أفضل من السائِد. يتميّز هذا النوع من المعارضة السياسية بالواقعية والعقلانية وامتلاك رؤية سياسية وبرنامج متكامِل، والقُدرة على تقديم نفسه كبديل سياسي واضح المعالِم، يحترم إرادة الشعب، ويعبِّر بصدق عن مطالبه ومصالحه.
على الرغم من أهمية المعارضة السياسية كما أسلفنا، ثَمّة دول لا تسمح بوجود أي شكل من أشكالها، ودول تكتفي بالحزب الواحد الذي لا يعترف بالآخر المختلف، ودول تسمح بوجودها ضمن نطاق ضيّق جدًا، وأخرى تصنع بنفسها معارضة سياسية شكلية مشلولة على مقاس النظام الحاكم فيها.
في الحقيقة هذا النمط من المعارضة جزء لا يتجزأ من النظام الحاكم وامتداد للسلطة، والطبقة السياسية الحاكِمة، ولا يمكنه لعِب أي دور بنّاء تجاه تمثيل الشعب أو التعبير عن مطالبه بشكل حقيقي، وهو بذلك يبحث فقط عن مصالحه الحزبية أو الفئوية أو المناطقية الضيِّقة، مكتفيًا بالعيش على الفُتاة وبعض المكاسب الصغيرة التي تمنح له.
يتضِّح مِمّا سبق أنّ سَويّة المعارضة السياسية ليست واحدة في جميع الأمكِنة والأزمِنة، بل تختلف من دولة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر بحسب الهامش المسموح لها لِممارسة نشاطها، لعلّ أسوأ أنواع المعارضة هو الذي يتجاهل الرأي العام بدلًا من العمل على كسبه، يعارض فقط من أجل الوصول إلى السلطة بأيّ ثمن، معارضة بهذه العقلية لا تتوانى عن تقديم نفسها للخارج كبديل مُخلِص، والإبداء عن استعدادها التام لتنفيذ كُل ما يُطلب منها حتّى وإن كان ضد مصلحة البلاد، ولا مانع لديها أن تتحوّل إلى معارضة مسلّحة، تُشعِل حرباً أهلية تأتي على الأخضر واليابس. ولا أدلّ على ذلك مما تسمّى حاليًا البعض، -ولا أعمم- من المعارضة السورية المصنوعة في الخارج، والماضية في إذلال الشعب السوري منذ أكثر من عقد، وهي بالأصل لا تختلف كثيرًا عن النظام، فالنظام لا يعترف بقيام الثورة السورية، والمعارضة لا تعرف لماذا قامت الثورة السورية. من الجدير بالذكر أنّ المعارضة السورية قبل الثورة كانت تضم شخصيات وطنية مُحارَبة من قِبل النظام، دفع الكثير منهم ثمنًا باهِظًا لمعارضته، وعندما قامت الثورة تباينت مواقفهم من تسليحها أو عدمها.
لا شك ّأنّ غياب أحزاب المعارضة السياسية في أية دولة يشكِّل خللًا كبيرًا في نظام الحُكم، قد يؤدّي إلى تفاقم الاحتقان الشعبي، وتوسيع الفجوة بين الجماهير والطبقة السياسية المتحكِّمة في أعلى هرم السلطة، بينما تعدُّد الأحزاب الوطنية من أهم سِمّات الأنظمة الديمقراطية.
ولكي يثبِت أي حزب تمسُّكه بالديمقراطية وجدارته بقيادة البلاد يجب عليه ممارسة الديمقراطية داخلها قبل أن يطالب الآخرين بممارستها، ذلك أنّ غياب الديمقراطية داخل الحزب سيفقد ثقة الشعب به، بينما السماح بتعدُّد الآراء والأفكار في إطار أيديولوجية الحزب يشكِّل عنصرًا أساسيًا من عناصر الديمقراطية الداخلية، والذي بدوره يساعد على تطوُّر الحزب والحدُّ من الانشقاقات التي أصبحت الآن ثقافة راسخة لدى معظم قيادات الأحزاب الكُردية السورية.