إنّ هذا الزمن سوف يمرُّ
صالح محمود
طلب حاكمٌ هنديٌّ من أحد مستشاريه أن ينقش على ساعته اليدوية عبارة تولد لديه انطباعاً معاكساً في حالتي الحزن أو الفرح، بمعنى أوضح؛ إذا كان حزيناً وكئيباً، وقرأ العبارة سُرّ قلبه، وشعر بالغبطة والفرح، وإذا كان فرحاً أو في حالة من السعادة والسرور، وقرأها داهمه شعور بالحزن.
غاب المستشار عدة أيام، وعاد ومعه الساعة، ومنقوش عليها عبارة «إن هذا الزمن سوف يمر» وبالفعل، هذه العبارة انسجمت مع طلب الحاكم تماماً، فوضع الساعة في يده، وإذا ما مرّ بحالة حزن أو كآبة نظر إلى ساعته اليدوية، وقرأ إن هذا الزمن سوف يمر، وبالتالي سرّ قلبه، و تفاءل جداً، وإذا ما مرّ بلحظة فرح، نظر إليها أيضاً، وقرأها وعرف إن هذا الزمن سوف يمر أيضاً، ولن يدوم طويلاً، لذلك عليه أن يعيش هذه اللحظة السعيدة بكل معانيها، ويستغلها بشكل تام، وفي كلتا الحالتين تنقلب مشاعره وتتحول.
الهنود معروفون بالحكمة وتعدُّد الرؤى والفلسفات والمذاهب والمعتقدات مع أنهم فقراء من الناحية المادية، ولكنهم أصحابُ حلمٍ وصبرٍ ورجاحةِ عقل، والحكمة عندهم ضرورية كالماء والخبز، ولديهم مدارس وكانتونات ومراكز ترشد الناس، وتنوّر عقولهم وتعلمهم الحكمة.
أضرب مثلاً آخر على حكمة الهنود، ففي يوم من الأيام كان هناك حكيمٌ هنديٌّ يعيش وحيداً في صومعة بعيدة عن المدينة، ولم يكن لديه سوى قِرْبة أو آنية من معدن رخيص يشرب، ويأكل بواسطتها، وذاع صيته في المعمورة، واشتهر بحكمته ورجاحة عقله لدرجة علمت ملكة البلاد بما هو عليه من حال وحكمة، فبعثت وراءه تدعوه لزيارتها ومقابلتها، وما كان من الحكيم إلا أن يلبّي طلب الملكة، وزارها حاملاً معه قربته الوحيدة، واستقبلته الملكة أحسن استقبال، وتعرّفت على بعضٍ من أفكاره وحكمته، وعندما انتهت مقابلة الحكيم مع الملكة التي أحبّتْ أن تكافئه فاستبدلت قربته العادية بقربة من الذهب الخالص فشكر الملكة على كرمها وحمل القربة مغادراً مجلسها، وخرج عائداً إلى صومعته سعيداً متفائلاً، فلما رآه أحد اللصوص وهو خارجٌ من عند الملكة يحمل قربة ذهبية لحق به وتعقّبه ولم يفارقه، وقد شعر الحكيم أن هناك شخصاً ما، لصٌّ ما، يتعقّبه، ولكنه لم يبالِ، وتركه، ولم يحاول حتى التحدّث معه على الإطلاق، وعندما وصل الحكيم، ودخل إلى صومعته رمى القربة الذهبية من النافذة الصغيرة للصومعة فتلقفها السارق، ووضعها في كيسه، ولكنه اندهش، وانبهر من تصرُّف الحكيم، واهتز كيانه وروحه، وزُلزلت نفسه، وهيمنت عليها مشاعر من الحيرة والتردُّد والاستغراب، فالحركة التي قام بها الحكيم أرعدت جسده، وأيقظت في روحه نوراً غريباً أضاءت بصيرته فحمل القِرْبة، ودخل على الحكيم نادماً على ما فعله ومعتذراً، وطلب منه أن يعلّمه الحكمة، وكيفية الارتقاء بالنفس وأشياء أخرى تتعلق بهذا الأمر، فالهنود يمتلكون الحكمة وهي ضالتهم، وبالحكمة والصبر طردوا الإنكليز من ديارهم وحرروها.
نحن الكرد أقرباء الهنود تنقصنا الحكمة، وينقصنا الصبر والحلم، ولا شكّ أن هذا الزمن الكثيف، وهذا الوقت العصيب سوف يمرُّ، وقد قالت العرب: «دوام الحال من المحال»
لا شيء ثابت فالأحوال تتغير، الأيام الثقيلة سوف تمضي شئنا أم أبينا، وبالرغم عن إرادتنا، ويبقى التحول والتغيير هو القانون الوحيد الثابت، ولاشيء يبقى على حاله، ولكن الماضي الجميل لن يعود، ومع ذلك قد يكون المستقبل أجمل وأفضل ولمَ لا؟