كوردستان… الدولة الحبيسة ولعنة الجغرافيا
صالح محمود
العالم كله يحتوي على أربعٍ وأربعين دولة حبيسة، وفيما لو كوردستان أصبحت دولة مستقلة فستكون الرقم الخامس والأربعين بين الدول الحبيسة، وهذه الدول متوزعة في القارات الخمس وأكثرها في أفريقيا وأوروبا، في هاتين القارتين وحدهما توجد 32 دولة حبيسة ومنها إثيوبيا وتشاد والنيجر ورواندا، وفي أوروبا هناك بيلاروسيا والتشيك والمجر والنمسا والفاتيكان وسويسرا وصربيا، وكلها دول حبيسة تستعين بموانئ الدول المجاورة للتواصل مع العالم الخارجي، وفي آسيا نعدد بعضها كأفغانستان وتركمانستان وأوزبكستان- الدولة الأكثر عزلة في العالم -وكازخستان -وهي أكبر دولة حبيسة في العالم -وقرغيزيا ." ولا توجد دولة عربية واحدة حبيسة سجنتها الجغرافيا وراء الأسوار في جيوب مغلقة أو حرمتها الطبيعة من سواحل مطلة على بحار مفتوحة تشرف من خلالها على العالم ومن فيه."
"الجغرافيا هي عنصر ثابت في السياسة مهما تغيّرت الظروف" لذا فهي تتحمل الجزء الأكبر مما آل إليه مصير معظم الشعوب، فأوكرانيا اكتوت بنيران حرب لم تكن خياراً لها، ولكن بحكم موقعها الجغرافي بين أوروبا -حيث تتواجد قوات الناتو-وبين روسيا التي تتخوف من توسع نفوذ هذا الحلف، وتمدده وبالتالي أقدمت روسيا على هذه المغامرة مضطرة ومدفوعة بمخاوفها فهامت على وجهها هاربة نحو الأمام.
الجغرافيا تتحمل مسؤولية جزء كبير من معاناة الكرد وتأخرهم وتقهقرهم، فأن يشاء القدر، ويضعك في زاوية محصورة بين أربع دول لا تؤمن أنظمتها بالديمقراطية وحقوق الشعوب وبالحريات!، أليس هذا بالأمر الصعب والمعقّد؟ وأن تكون محروماً من إطلالة على البحر فهذا يزيد الطين بلةً! فالشعوب التي تطل أراضيها على البحار لديها مساحة أوسع من السيادة، وفرصة أكبر لبناء كيانات وتأسيس دول، أما الشعوب المحرومة من ذلك فهي على العكس معرضة للحصار والاختناق بشكل دائم وتعاني من العزلة لا تمتلك منفذاً بحرياً، وهذا يعني أنها سوف تقع تحت رحمة الدول المجاورة لها في اتصالها مع العالم الخارجي.
وتعاني من ضعف في اقتصادها ونشاطها التجاري وارتفاع تكاليف النقل، وكذلك تعاني الدول الحبيسة من الضعف العسكري والسياسي مما يجعلها تحت تهديد الدول المجاورة لها، فالبحر بالإضافة إلا أنه مصدر غذائي فهو يمنح السيادة والاستقلالية أيضاً.
الجغرافيا تحمي أمريكا، وتقلق جيران الصين، لماذا؟؟ لأن أمريكا محمية بالمحيطين الأطلسي والهادي بحيث لا جيران يخشون من هيمنتها وطموحاتها، أما الصين فإن جيرانها في الجغرافيا البرية حولها يتخوّفون دوماً من توسع نفوذها". والموقع الجغرافي لسويسرا فرض عليها انتهاج سياسة الحياد الإيجابي وعدم التدخل بشؤون العالم.
كوردستان لا تطل على بحر لذا من الصعوبة بمكان بناء كيان سياسي مستقل فيها بسبب هذا العامل الجغرافي اللعين، وهذا لا يعني إن الأمر مستحيل. "وبسبب التحديات البالغة التي تلقاها الدول الحبيسة، يمكن تفهم أسباب مخاوف السنة في العراق من تقسيمه إلى ثلاث دول، وتفهم قبول الكورد بصيغة العراق الفيدرالي. فأية خريطة جديدة قد تقسم العراق إلى ثلاث دول ستنتهي بترك السنة في دولة حبيسة في الوسط وأخرى شبيهة للكورد في الشمال ليبقى الشيعة وحدهم في الجنوب بمنفذ مائي مباشر على مياه الخليج يتصلون من خلاله مباشرة مع العالم ".
خير دليل على أن للجغرافيا لعنة هي استيطان الـ pkk لجبال قنديل الوعرة بين تركيا والعراق وتحويلها إلى عامل عدم استقرار في المنطقة وبذلك أصبح قنديل الجرح النازف الذي لا يندمل في خاصرة كوردستان عموماً حتى لحظة كتابة هذه الأسطر، فتركيا مثلاً بين الحين والآخر تتحجج بوجود مقاتلين من الـ pkk هناك وبالتالي تقصف العمق الكردي في إقليم كوردستان.
بوجع أقول:
جبال قنديل الوعرة..!! بدلاً أن تكون ملاذاً آمناً للكرد أصبحت مصدر قلق ووبالاً عليهم.
ويعدُّ استغلال الحيز الجغرافي من طباع الأنظمة المتحكمة بكوردستان ،فإيران مثلا أثناء ثورة مهسا اميني اختزلت الموضوع كله بطموح ونزوع كردي الى الانفصال واستطاعت أن تخمد وتطفئ تلك الثورة، فهي لديها طريقة سحرية في القضاء على أي تمرد فكم من انتفاضة قامت؟ وكم من ثورة اشتعلت في إيران؟ وفي النهاية انتهت إلى لاشيء بسبب مهارة النظام الايراني في وأد وإخماد الثورات ،فالجغرافيا بقدر ما هي عامل مدمر لجهة معينة بقدر ماهي عامل مساعد للجهة المقابلة ،فإيران تطمئن دوماً إن الدول المجاورة ستقف معها إذا أصبح الموضوع كردياً ، فطبيعة كوردستان بقدر ما هي جميلة بقدر ماهي محفوفة بالمخاطر والأشواك الجارحة ، ومع ذلك لم تتوقف المحاولات الكردية بإنشاء كيان خاص بهم والطموح الكردي يبرز بين الحين والآخر،ولاشكّ إن تأسيس أي كيان كردي مستقل سوف يثير حفيظة أنظمة الدول التي تضم كوردستان والتي تعتقد إن الدول والكيانات موجودة على هذه الأرض أساساً فلماذاالسعي الحثيث والمطالبة المستمرة بإنشاء دولة مستقلة للأكراد ؟ ولماذا لايكون سقف المطالب الكردية هو تحسين وضع الشعب الكردي ضمن إطار هذه الدول حصراً؟ لقد انتبه المفكر العراقي هادي العلوي الى هذه النقطة وحذر الكرد من المطالبة بانشاء كيان خاص بهم لأنه أدرك خطورة هذا المطلب ،وكان دائما ينصح النخبة السياسية والمثقفة من الكرد بعدم السير في هذا المنحى ،طبعاً من باب الود والنصيحة وليس من باب العنصرية لقد كان هادي العلوي نصيراً للقضية الكردية حتى الرمق الأخير.
ولكن هل كان الطرف الآخر أو الخصم مستعداً للوقوف مكتوف الأيدي وللقبول بحالة من التزام الصمت والسكوت أمام توسع نفوذ الكرد وتمدده، حتى لو لم يطالب الأكراد بكيان مستقل ؟. مثل هذه الأسئلة تظهر و تتجلى ردودها في مرآة الواقع، فالأنظمة المتحكمة بجغرافية كوردستان اختارت الخبث والنفاق والتجني دائماً حيث اتهمت المناضلين الكرد بأنهم يسعون الى الانفصال عن البلدان التي يعيشون فيها وطبعاً في محاولةٍ منها لشرعنة وتبرير اضطهادها و قمعها للكرد ولجم طموحهم وكسب الدول المحيطة الى جانبهم ، فالحركة الكردية عموماً لم تحُز على ثقة هذه الأنظمة، وكانت لعنة الجغرافيا تحل بها وبالشعب الكردي .فالجغرافيا هي التي ضيقت على البارزاني الأب ولفظته إلى الاتحاد السوفيتي ،وكان العامل الجغرافي وراء إعدام القاضي محمد حيث لا مفر ولا مهرب من أعداء متربصين من كل الجهات ، "فالجغرافيا تظل أهم عنصر في القوة الوطنية "والشعوب التي سادت وارتقت كانت الجغرافيا العامل الأول في صمودها وارتقائها.