الكورد في عام 2024 ، هل سيكون عاماً للتحدي؟
محمد زنكنة
لم تحمل بداية العام 2024 مؤشرات تدل على أن شعب كوردستان سيكون في راحة وهدوء حيث بينت الأحداث التي بدأنا بها العام أن هناك تهديداً صريحاً على كينونة ووجود، وبقاء هذا الشعب في إطار الحرب بالإنابة بين الولايات المتحدة والدب الروسي، والصراعات بين الأطراف المنفذة للاجندتين والتي وإن اختلفت تتحد في هدف القضاء على كل ماهو كوردي وعدم السماح بأي تطور كوردستاني في أي مكان في العالم.
ففي شمال كوردستان، في تركيا، تنشط بين الفينة والاخرى مجاميع تريد أن تعيد النزعة العنصرية الكمالية القديمة لبثّ روح العداء بين الكورد والترك لتصفها الحكومة بالتصرفات الفردية التي لا تمت للدولة بصلة لكنها تمر دون أية إجراءات تذكر من قبل الجهات المسؤولة في الدولة، وأجزم أن هذه التصرفات لا يمكن أن تحصل أو تنشط لولا وجود توجيهات من أطراف سياسية (وإن لم تكن من قبل الحكومة) لإلهاء الشارع التركي والعالمي عن الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها تركيا في ظل مزيد من الارتفاع في سعر صرف الدولار، وتراجع سعر الليرة، هذا بالاضافة إلى الاعتداءات المتكررة على السياح وخصوصاً العرب والتي تسببت في تراجع السياحة في تركيا العام الماضي مقارنة بالأعوام السابقة.
في غرب كوردستان، وليس بالبعيد عن تركيا، كانت المُسيّرات التركية وماتزال، تستهدف ماتسميه بمعاقل الـ PKK هذه الغارات تسببت في الكثير من الدمار لمناطق وقرى ومقتل العشرات من المدنيين الذين يدفعون ثمن تواجد هؤلاء المقاتلين الذين تتحجج بهم تركيا لتحريك مسيّراتها واستهداف ما تريده دون أن يكون لها أي رادع، وفي الجانب الآخر وبدلاً من أن تسعى الأطراف المسيطرة على الواقع السياسي في غرب كوردستان، هي تهاجم كل مايتعلق بالكورد بدليل التهجم على احتفالية يوم علم كوردستان في السابع عشر من كانون الاول الماضي والتهديدات المستمرة التي تطال كل حزب وطرف سياسي لا يتماشى مع مزاج الإدارات الذاتية، لتكون النتيجة الحتمية لهذه الادارات بأنها أكثر وأفضل من يخدم السياسات التركية باستمرار توسيع رقعة ضرباتها العسكرية في المنطقة وباستغلال شعار الحرب ضد الارهاب وبوجود دعم واسناد من القوى الدولية المنضوية تحت حلف الناتو.
في الشرق، في كوردستان إيران، مازالت الاعتقالات العشوائية مستمرة ضد كل من يتضامن مع أي موضوع يخص الكورد وخصوصاً في استشهاد مهسا اميني (جينا اميني) حيث هددت عائلة الشهيدة لأكثر من مرة، ولم يسمح لهم بالسفر للمشاركة في مهرجان عالمي لتكريم مهسا، هذا بالاضافة إلى أحكام الجلد التي تطال بنات الكورد في المدن الكوردية وطهران العاصمة على خلفية أحكام وقرارات من قبل مايسمى بهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تسكت السلطات الايرانية عن تنفيذ خطواتها ضد الكورد بل تحججت بتفجيرات كرمان في الذكرى الرابعة لمقتل سليماني، والمهندس لتبرّر اعتقالاتها للمواطنين الكورد، إذاً فالمعاناة مستمرة كما كانت وتطورت نحو الاسوأ.
الأخطر هنا، القصف الصاروخي الذي استهدف مدينة اربيل، وراح ضحيته رجل الأعمال الكوردي بيشرو دزيي وابنته ذات التسعة أشهر وأدى أيضاً الى جرح ومقتل العديد من العاملين في بيت الشهيد والمستخدمين بالإضافة إلى شريكه اللبناني البريطاني الجنسية، هذه العملية بررها الجانب الإيراني أنها كانت استهدافاً لأحد مايسميها بمقرات الموساد الاسرائيلي في محاولة يائسة وبائسة لإضفاء صبغة شرعية وقانونية تحت عنوان الدفاع عن النفس والأمن القومي الإيراني وملاحقة المعارضة الانفصالية، وكل ذلك لا يساوي روح إنسان من المفروض أن يكون محمياً بقوة الدستور والقانون العراقي والمواثيق والاتفاقيات الدولية.
بالتركيز على ما حصل من جريمة إبادة عائلة رجل الأعمال بيشرو دزيي، والتي تبناها الحرس الثوري الايراني والذي مازال يصر على أنه حقق انتصارًا!! يتضح أن الهدف الأساسي لكلّ من يعادي التجربة الكوردية في العراق أو سوريا يكمن في القضاء على كلّ المحاولات الرامية لرفع المستوى الاقتصادي للبلد وإيقاف مسيرة الاعمار، بدليل ان الايرانيين استهدفوا شركات رجل الأعمال الكوردي شيخ باز برزنجي والمتخصصة في مجال النفط والبتروكيمياويات، ومازالوا يضغطون على الحكومة العراقية لايقاف شركة كورك تيليكوم للاتصالات في المحافظات العراقية على الرغم من ايفاء الشركة بكل واجباتها القانونية والادارية لهيئة الاعلام والاتصالات وبرغم كونها أولى الشركات العراقية التي تأسست في عام 2000 أي قبل سقوط نظام البعث، ولم تكن فرعًا او طرفًا ثانويًا لشركات من خارج العراق، ولا ننسى أن صاحب الشركة يقود إحدى جبهات ومحاور قوات البيشمركة التي مازالت تقاتل ببسالة ضد الارهاب، ليأتي استهداف منزل صاحب شركة امباير للاعمار ويثبت ودونما اي شك بان الاقتصاد والاعمار هو أهم ماتستهدفه الأطراف المعادية للتجربة الكوردية في إقليم كوردستان، ولا يختلف الوضع في غرب كوردستان أيضا حيث الوفرة والخصوبة للارض من حيث القدرة الزراعية والمعادن وقربها من البحر وامتلاكها لكل مقاومات الاقتصاد الناجح.
هذه القراءة السريعة والملخصة للوضع الكوردي استكمالًا لما قلناه سابقاً حول الوضع في الشرق الاوسط يضعنا أمام العديد من المعطيات، أهمها أن هناك تجربتين كورديتين في المنطقة إحداها نجحت برغم كل محاولات الاعاقة والافشال وجميع المراحل السلبية التي مرت بها وذلك بفضل الحنكة والحكمة السياسية والبراغماتية التي سلكها الرئيس مسعود بارزاني والتي اجبرت دول العالم على التعامل معها ورفع علم كوردستان في محافلها الرسمية وقصورها الرئاسية، والثانية فيها من التخبط والدكتاتورية والاستفراد بالسلطة فيها مايكفي ليتخذها المجتمع الدولي حجة للابتعاد عن هذه المنطقة والتنصل عن دعم تطويرها، والمسؤول الاول عن هذه الأخطاء هي الأطراف المستفردة بالسلطة والمدرجة اصلا في قوائم الارهاب الدولية، والمشترك في كلتا التجربتين ان الدول الاقليمية وان اختلفت على كل شيء تتفق على ان لاتحصل اي منها على الدعم الذي يؤهلها للاستمرار والوصول الى هدف يهدد من وجود هذه الدول كما تدعي وتفكر.
ان الظروف التي تمر بها المنطقة والعالم باسره حيث الصراع الروسي الاوكراني مازال مستمرا والحرب الايرانية الباكستانية ظهرت كتطور جديد في سلسلة صراعات المنطقة وتفاوت اسواق النفط وصراع الدولار في دول الشرق الاوسط، تبين بان الكورد امام سلسلة تحديات لايمكن تجاهلها والمرور عليها بسهولة، حيث ملف الارهاب الذي تبرر به هذه الدول تصرفاتها والورقة الاقتصادية التي تضغط بها الدول الاقليمية بها على الكورد اينما وجدوا لانهم اصلا يعانون من ضغط الدول العظمى عليهم، هذا بالاضافة الى تحديات تخص الوجود والبقاء والاستمرار في ظل سياسة تديرها ماكينات اعلامية تستغل سهولة وصول المعلومة الزائفة عن طريق التواصل الاجتماعي لمزيد من تشويه التاريخ والحاضر والحقائق، لذلك اصبح لزاما على الجميع ان يفكر مليا بالحاضر والمستقبل وكيفية الخروج من هذا المازق باكبر عدد من المكتسبات والاستبسال في الحفاظ على استمرارية اية تجربة كوردية في المنطقة، ولايمكن ان يحل هذا الموضوع الا بالاحتكام الى العقل والمنطق بوضع الخلافات جانبا وتوحيد المواقف السياسية ومواجهة كل التحديات والتهديدات.
وفي خضم كل هذه (العجقة) من المستجدات والتطورات، هناك سؤال يطرح نفسه بجدية كاحد اهم متطلبات المرحلة الحالية للاستناد على نتائجها في المستقبل، الا وهو: اليس من الاجدر اعادة احياء المؤتمر القومي الكوردي والذي عطل قبل احد عشر عاما كتحد قومي ووطني وانساني ضد كل التهديدات التي تواجه الوجود الكوردي؟ الم يحن الوقت لذلك؟