دعِ القلق.. وابدأ الحياة
هنر بهزاد جنيدي
صداقتي مع كتب التنمية البشرية والبرمجة العصبية واهتمامي بهذا العلم، وبتسمياته الكثيرة والمتعددة بدأت في سنوات مُبكّرة من حياتي الثقافية حين وقعت عيني في مكتبة والدي على سلسلة من كتب المؤلف «ديل كارنيجي» أتذكر منها: كتاب دع القلق وابدأ الحياة، فن الخطابة، كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء؟
بعدها قمت بالتهام مجموعة جيدة من كتب إبراهيم الفقي وطارق السويدان والغزالي وعائض القرني وكتب ستيفن آر كوفي المترجمة وبران تراسي وغيرهم.
كتب تجذبك عوالمها الإرشادية والتحفيزية في البداية، وبعد الكتاب الرابع والخامس تبدأ الكتب بتكرار الأفكار والمواضيع وبشكل ممل أحياناً، ولكن تبقى فيها من الأفكار النفسية والإدارية ما تساعدنا في حياتنا اليومية.
مع كل تلك القراءات للأسف لم أنجح في تطبيق كل قواعد هذه العلوم على الحياة العملية -لأسباب لا مكان لذكرها هنا- إلا بحدود متواضعة، فأنا مازلت حتى اللحظة أحتاج لتطوير نفسي في مجالات حياتية عدة كآليات إدارة الوقت وأدوات التخطيط المستقبلي وإدارة الذات وأعاني من ضعف الذاكرة النسبي، وبحاجة لتقوية الإمكانيات في بعض اللغات الأجنبية.
تلك كانت اعترافات ببعض جوانب التقصير، أما عن جوانب الفضل والفائدة من أفكار تلك الكتب فكانت نفسية وروحية أكثر منها عملية، فاليوم وبالرغم مما تعرّضتُ في مسيرة حياتي من هزائم ومشاكل وصدمات إلا أني وبفضل ما تَشَرَّبتْ بها روحي من معلومات وقوانين وتجارب تحفيزية اكتسبتها من تجربتي في مطالعاتي في تلك الكتب تجاوزت هذه الصدمات. فعلى الرغم من كل تلك العوائق إلا أني نجحت وحتى هذه اللحظة بالحفاظ على رغبة الضحك بعمق، والابتسامة بصدق، ومازلت قادراً على الحلم والقراءة والكتابة والغناء والرقص، والأهم من كل ذلك مازلت قادرًا على الحب والتسامح والتجاهل ومنح الثقة والوفاء.
معرفتنا لذواتنا تقينا من إحباطات وانكسارات كثيرة في الحياة، أن نعرف ذواتنا تعني معرفة ما نملكه من قدرات عقلية وفكرية وجسدية وروحية واجتماعية، وعلى هذه المعرفة تُبنى الأحلام والآمال والعلاقات.
يحدث التوتّر حين نطمح بطريقة تضاهي قدراتنا، وحين نحلم بأشياء بعيدة عن واقعنا وإمكانياتنا، نعم هو الجهل بالذات الواقعية والحقيقية، وبناء ذات بديلة مفخمة رومانسية لا تشبه قدراتنا، ولا واقعنا.
فالتقليل من قيمة الذات مضر تماما كما التفخيم غير الطبيعي!
أنا محبط لأني لم أنجح في الوصول لكذا..
أنا محبط لأني لم أفعل كذا..،
أنا متعب لأني تأخرت عن كذا …
كل ما سبق مربوط بقاعدة حياتية واحدة:” اعرف ذاتك” واكتشف صورتها الحقيقية، وعش سعادتك في ميدانك الذي منحه الله لك، فالحياة ميادين، ولكل منا ميدان يتفوق فيه على الآخرين وميادين يتأخر عنهم! وهذه حقيقة علينا فهمها وتقبلها.
المهم في الأمر هو ألا نُحبط، ولا نستسلم وأن يكون السير إلى الأمام حتى الموت هو ما يشغلنا روحياً وعقلياً.
وأذكرها دائماً لقوتها مقولة الزعيم الأمريكي مارتن لوثر كينغ:
“إن لم تكن تستطيع الطيران فاجرِ، وإن لم تكن تستطيع الجري فامشِ، وإن لم تكن تستطيع المشي فازحف.. أياً ما كنت فاعلاً عليك الاستمرار بالتحرك نحو الأمام..”
في الحياة نقطتان: نقطة البداية، وهي لحظة الولادة ونقطة النهاية وهي لحظة الموت، وما بينهما لا يُقبل من الفرد منا سوى المحاولة ثم المحاولة وثالثاً المحاولة، غير مسموح بين الولادة والموت سوى السقوط المؤقت، والبكاء المؤقت والخذلان المؤقت والتوقف المؤقت، فطالما بيننا وبين نقطة النهاية ليلة واحدة فعليها أن تكون ليلة المحاولة الأخيرة!