سيرةُ زرياب تدحضُ الصورَ النمطية عن الكُرد
علي جزيري
لم يكن عبثاً حين وصف المستشرقون الشعب الكُردي بـ «الشعب الذي نَسيَهُ التاريخ»، فلولا حاضنته الجغرافية المنيعة لظل نسياً منسياً، جرّاء ما تعرّض له من جور عبر التاريخ؛ من ها هنا نفهم دلالة المقولة الدارجة: «لا أصدقاء سوى الجبال» التي تُردّد منذ الأزل...!
ويُفْصِحُ الباحث التونسي الدكتور عادل بالكحلة، كيف كان يجهل عن الكُرد ما ينبغي معرفته، إلى أن أقدمَ على إعداد بحثٍ عن الموسيقا الشرقية وتطوّرها، واطّلاعه على مخطوطات زرياب (لقبٌ يعني ماء الذهب بالكردية)، المولود في جزيرة بوتان، وانتقل إلى الموصل، ثم استقر في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وتتلمذ على يد الموسيقار الشهير اسحق الموصلّي، حتى صار من ألمع تلاميذه في الغناء والموسيقا، بصوته الشجي الرائع وحنجرته الذهبية، وامتاز بتعدُّد مواهبه وقدرته الفائقة في الارتقاء بمستواه، فضلاً عن حنكته في الجدل والفكاهة، ومهارته في العزف وتطوير الآلات الموسيقية.
لم يفارق زرياب أستاذه قط، وكان يرافقه إلى قصر هارون الرشيد، الذي أعْجِبَ بموهبته أيْما اعجاب، مما ولّدَ نار الحسد في نفس اسحق، فغادر بغداد في غضون ذلك مُكرهاً، ويَمّمَ شطر اسبانيا، التي كانت تحت حكم بني أمية آنذاك، واستقرَّ في قرطبة فاحتضنه أميرها، ولمع نجمه حتى كانوا يشيرون إليه بالبنان.
استخدم زرياب العلامات الموسيقية بلغته الأم: يَكا، دۆكا، سێكا، چاركا، ناهيك عن المقامات الموسيقية: راست، سێكا، چاركا، ومقام "نوروز" الدال على عيد الربيع، المصادف في 21 آذار" يوم الاعتدال الربيعي" الذي يتساوى فيه الليل والنهار، في حين أن مقام «كُرد» ينسب إلى الأرومة الكُردية. وتوفي سنة 857 م، بعد أن سطعت شمسه على الشرق والغرب، وترك بصماته المميزة على الحضارتين الإسلامية والغربية في آن، على حد وصف الدكتور خضير عباس المنشداوي. وسبق أن وَصَفَتْهُ المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، بالفتى الكُردي، في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب»؛ لكنها لم تكن موفقة في اختيار عنوان كتابها، فكان الأوْلى بها أن تقول: (شمس المسلمين تسطع على الغرب)، لأن حَمَلَة العِلْمِ في الملة الإسلامية أكثرهم كانوا من غير العرب، فليس في العرب - على حد قول ابن خلدون - حَمَلَة ُعِلْمٍ لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر.
إن بلوغ زرياب ذروة الشهرة في حقل الموسيقا والغناء، وتسنُّمه قمة المجد، يكفيان لنسف ما يروجه أمثال كمال اللبواني، أو ما يضمره المخيال الشوفيني لكل من عبد الرزاق عيد وأبرز المؤرخين العرب سهيل زكار ومجايليهما من تُرّهات ما أنزل الله بها من سلطان، كزعمهما: «إن الكُرد لا يشكلون شعباً أو أمة، فلا تاريخ لهم ولا حضارة أو لغة»، مما أعادا إلى الذاكرة الصورة النمطية التي سوّقها سلفهما، ضابط الأمن السوري محمد طلب هلال في مطلع ستينيات القرن العشرين، فكشفا في هذا السياق النقاب عن نزعتهما الشوفينية المُجْتَرّة، وما يعتمل في قلبيهما من حقد دفين ضد الكُرد، بعكس المسعودي (896 - 957) م الجغرافي والمؤرخ والرحالة، الذي أنصفَ الكُرد في "مروج الذهب"، بقوله: إنهم أمة لها لغتها الخاصة، هي اللغة الكُردية.