فشل الدساتير المحلية في سوريا

فشل الدساتير المحلية في سوريا

شكري بكر

ما من فرد أو من مكون في المجتمع السوري لا يعي الأزمة السورية العصية على إيجاد حلول ناجعة لها، خاصة ونحن على أعتاب الذكرى الثالثة عشرة لعمر الثورة ، والتي هي أزمة الشعب السوري بكل مكوناته القومية والسياسية والدينية والمذهبية والطائفية الذين انتفضوا ضد الظلم والقتل وتدمير البنية التحتية لتلك المكونات، الذين قالوا لا للاستبداد، لا للدولة الأمنية، لا لسلطة الشخص الأوحد، لا لسلطة الحزب الواحد، لا لاستغلال قوت الشعب ونهب خيراته من قِبل النظام الحاكم في دمشق، عندما قال الشعب السوري كلمته جوبه بالحديد والنار وحرق الأخضر واليابس، ليس إلا لاستمراره واستغلال للسلطة بمفرده.
ثار الشعب السوري بكل مكوناته ضد الظلم والقمع الذي كان يمارسه هذا النظام طوال ستين عاما من التسلط واحتكار للسلطة ونهب خيرات البلاد، واستخدام القوة ضد الشعب السوري الأعزل، والشعب السوري يدفع ثمن كلمته حينما قال لا للحكم المطلق، نعم لإسقاط النظام.
عمد النظام على تفتيت المجتمع السوري بكل مكوناته من نعرات وعدوات قومية، ودينية ومذهبية وطائفية، عملاً بمبدأ سياسة فرق تسد.
إزاء تعقيدات الأزمة السورية مما أدى إلى تدخل بعض قوى الدولية ومن ثم إقليمية، بحيث أصبحت الساحة السورية ساحة تصفية حسابات بين الدول الطامحة وذات النفوذ.
هذا التدخل عقد المشكلة أكثر من قِبل بعض الدول الإقليمية وتناقضاتها مع المجتمع الدولي، وخاصة مع الدول الكبرى وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت تشكل القوة الوحيدة في الصراع الدولي المناهض للإرهاب والإرهابيين.
هذا هو السبب في انقسام المجتمع السوري بين النظام والمعارضة المتمثل بهيئة الائتلاف لقوى الثورة والمعارضة، وما أن جاء مؤتمر جنيف الأول بناءً على هذا الانقسام، وصدور القرار 2254 الذي يتضمن على ثلاث سلال: انتقال السلطة، الدستور، وإجراء انتخابات عامة.
انطلقت المفاوضات على مراحل، حيث تشكلت لجنة التفاوض التي أدت إلى تشكيل لجنة صياغة من ثلاثة أطراف، النظام والمعارضة والمستقلين لكل منهم خمسون عضواً
هنا يكمن مصدر الشرعية في حل الأزمة السورية ومنه سيخرج الدستور السوري المستقبلي، أما ما يصدر هنا وهناك من بيانات ووثائق ما هي إلا مضيعة للوقت، لا خير ولا نفع فيه.
حلّ الأزمة السورية لم يتوقف على صدور بيان هنا ووثيقة هناك.
الحل يكمن في القرار الدولي رقم 2254 وما سيخرج به لجنة الدستور بين كل من النظام والمعارضة والمستقلين هو الحل الأنجع.
بينما نسمع ونرى صدور بيان هنا ووثيقة هناك، تصدر عن قوى خارجة عن أطر الحوار السوري السوري، ومن شخصيات وهياكل سياسية قيد الإنجاز أو التشكيل.
وما صدور البيان الذي صدر عن مؤتمر مجلس سوريا الديمقراطية الذي انعقد مؤخرا في الرقة ما هو إلا تعبير عن رؤى حزب الإتحاد الديمقراطي السوري الجناح السوري لحزب العمال الكوردستاني في تركيا، وهو بعيد كل البعد عن طموحات المجتمع السوري ولا يصلح أن يكون دستورا لا للدولة السورية ولا لأي مجتمع بشري آخر.
أما حول وثيقة التفاهم التي صدرت في 17 - 20 من كانون الأول بين ثلاثة أطراف كوردية، لا تصلح لا من قريب ولا من بعيد لإنهاء الأزمة السورية لا في إطاره الوطني العام ولا في إطاره القومي الخاص، حيث لم تتطرق الوثيقة إلى الجرائم التي ارتكبها النظام بحق الشعب السوري منذ بداية الثورة إلى الآن، في إطاره العام ليس هناك ما يميزه كثيرا عن الدستور السوري المعمول به منذ ستين عامًا، والذي بمجمله يتوافق مع سياسة النظام بمفهوم الإدارة المحلية في إدارة البلد، هذا من جانب، ومن جانب آخر هذه الوثيقة لا تختلف كثيرا عن العقد الاجتماعي الذي صدر عن مؤتمر مجلس سوريا الديمقراطية الذي يصب في مصلحة النظام لا في مصلحة الشعب السوري بمختلف مكوناته، والذي ركز على نقطة واحدة ألا وهي:
العمل على إلغاء سياسة التجنيد الإجباري التي تنتهجها سلطات الإدارة الذاتية، وقف تجنيد القاصرين والقاصرات وزجهم في العمليات العسكرية، وجعل هذا الملف أحد أبرز ملفات التفاوض مع الإدارة الذاتية.
الواقع أن خلافات الحركة الكوردية في سوريا مع حزب الإتحاد الديمقراطي مبدئية تمت بالثوابت القومية للشعب الكوردي الذي يعيش على أرضه التاريخ منذ آلاف السنين، ويمتاز جوهر هذا الخلاف، التأكيد أن القضية الكوردية في سوريا هي قضية شعب لا قضية أقلية قومية.
من حق الشعب الكوردي أن يمارس حقوقه القومية المشروعة بما تضمنته العهود والمواثيق الدولية عبر القرار الأممي، حق الأمم في تقرير مصيرها، وحسب مقتضيات المصلحة الكوردية العليا. وبما يتناسب مع الحالة السورية راهنا ومستقبلا تتبنى الحركة الكوردية الحل الاتحادي. الفدرالي.
شراكة حقيقية في السلطة والثروة، لا الحل الذي جاء ضمن سياق بيان مؤتمر مجلس سوريا الديمقراطية الذي لا يخدم المصلحة العليا للشعب الكوردي، وإنما تعبر عن تطلعات وسياسات النظام السوري حيث لا فرق بين مفهومي الإدارة الذاتية
أخيرا فإن جميع الدساتير المحلية غير ناجعة للأزمة السورية، وإنما الدستور الناجع يكمن في عقد مؤتمر سوري شامل.