أما آن وضع النقاط على الحروف؟
علي جزيري
رحل المعارض السوري رياض الترك في منفاه الباريسي في 1. 1. 2024، والذي سبق له أن تبوّأ الأمانة العامة لـ "الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي"، المسمى اليوم "حزب الشعب الديمقراطي السوري"، عقب انفصاله عن الحزب الشيوعي السوري الذي كان يتزعمه خالد بكداش.
أمضى المذكور ثمانية عشر عاماً في المنفردة وخلف القضبان، وحين أطلق سراحه نطق بعبارته المشهورة "لقد مات الدكتاتور"، عقب موت الأسد الأب، كتعبير عن مناهضته للاستبداد ومطالبته بالتغيير "الديمقراطي"، فزُجَّ به في السجن من جديد، بضغط من أنيسة مخلوف والدة الرئيس بشار، وفور خروجه من السجن وصف ما هو عليه قائلاً: "لقد خرجتُ من السجن الصغير إلى السجن الكبير".
كان رياض أحد الموقعين على "إعلان دمشق"، وانضم إلى المجلس الوطني السوري والائتلاف المعارض، وتحالف مع تنظيم الإخوان المسلمين، فمن الطبيعي أن يثير برحيله سجالاً بين مؤازر ومنتقد.
ففي الوقت الذي راح فيه مجايلوه يصفونه بأيقونة سوريا أو "نيلسون مانديلاها"، زاعمين بأن سيرته الحافلة كفيلة في أن تغدو مصدر إلهام للسوريين عامة؛ أقدم منتقدوه الكُرد الإشارة إلى محاولاته الحثيثة لتقزيم المسألة الكردية في سوريا، واختزالها بمجرد "قضية المواطنة"، مزيحين بذلك النقاب عن أسنانه اللبنية، مثلما كان لينين يمتحن رفاق دربه من أبناء القومية السائدة، لمعرفة موقفهم من القومية المضطّهَدَة.
أجل، دخل لينين في سجال حاد مع روزا لوكسمبورغ، التي عارضت انفصال بلادها بولندا عن روسيا، مما دفع بلينين إلى القول إن حرمان الشعوب من حق تقرير المصير، تحت أية حجة، هو أهم أشكال القهر القومي.
وقد اضطررنا الاحتكام أمام لينين ها هنا، ليس من باب نبش قبر الراحل، بل من باب وضع النقاط على الحروف ونفض الغبار عن الحقيقة، كون الراحل كان ماركسياً، لكن موقفه كان أقرب إلى موقف الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كان يرى أن من الأجدى إبقاء الجزائر في ظل "التاج" الپاريسي.
ما من شك أن الكثيرين ممن يتناولون القضية الكُردية في سوريا يمضون كسائق "الحنتورة"، الذي كان يُرَكِّب على رأس الحصان الذي يجرها سيوراً جلدية في الماضي القريب، تنتهي بقطعتين جانبيتين تحجبان عن الحصان ما على اليمين أو اليسار، تدعى تلك السيور في الكردية Sergoş، وحين يود السائق الانعطاف يمنة أو يسرة يتحكم بالسير من خلال شدّ تلك السيور نحو اليمين أو اليسار.
كان الأولى بالمثقفين والسياسيين السوريين وفي مقدمتهم رياض الترك، إزاء محنة الشعب الكردي، الاقتداء بمواقف حزب "العمل الشيوعي"، والكف عن تسويق مواقف النظام واجترار منطلقاته الأيديولوجية، أو بمواقف الصحافة الفرنسية والمثقفين الفرنسيين، الذين آزروا "جبهة التحرير الجزائرية"، وراحوا ينتقدون سياسة بلادهم الاستعمارية. وازدادت تلك الانتقادات اللاذعة أو الساخرة حدة، خصوصاً بعد التعرف على أفكار فرانس فانون عبر المقدمة التي كتبها جان بول سارتر لكتاب فانون (المعذبون في الأرض)، والذي ساهم على نحو أسرع في تغيير مواقف الفرنسيين عامة، بما في ذلك الكنيسة الفرنسية التي كان موقفُها مُشرّفاً على صعيد انتقاد سياسة الحكومة الفرنسية من مسألة تحرير الجزائر آنذاك.