الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقوة التطور

الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقوة التطور

كوردي زيوكي

تميّز الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقدرته على الاستمرار والتطور، وبالرؤيا الإنسانية في فكره ومنهجه خلال الممارسة العملية، بينما تراجع دور الأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى التي ظهرت على الساحة الكوردية منذ مطلع القرن العشرين. حيث استطاع الحزب مواجهة التحديات وتخطي العوائق والصعاب وتطوير ذاته باستمرار، مع كل ذلك لا بد من الاعتراف أن عطاء الحزب لم يكن في أفضل حالاته بعض المراحل، كانت الحركة على أشدها ووعيه في أفضل مستوياته بينما كان معرضاً للجمود والتراخي في مراحل أخرى، إلا أنه سرعان ما كان يتغلب على حالة الجمود ثم ينطلق مرة أخرى مؤكد السمة العامة لنهجه الوطني، سمة التطور المتصاعد المستمر في نشر الفكر القومي بين أبنائه.
إن الإيمان الراسخ بالمبادئ وكيفية التعامل معها يتطلب عملا، فان العمل يغذي الإيمان ويقويه، إن بقاء الحزب واستمراره يعود بالدرجة الأساسية إلى أهدافه الرئيسية التي تعبّر من خلاله طموحات الأمة وعن تطلعاتها وآمالها، ثم إن الترابط بين هذه الأهداف يستجيب لمتطلبات نهج التعامل الصائب والمدروس مع الواقع. بالإضافة إلى ممارسته النضالية المستمرة في العمل الدؤوب التي تمثل مقدمة النضال الجماهيري للامة الكوردية منذ نشوئه قد تجلت هذه الممارسة في عقدي الأربعينيات والخمسينيات حينما قاد الحزب حركة التحرر الكوردستانية بقيادة الأب الروحي للأمة الكوردية الملا مصطفى البارزاني الخالد، ليس فقط في العراق إنما طال الأجزاء الأخرى. في كوردستان إيران ودوره البارز والمهم في إعلان تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946، وفي كوردستان تركيا إبان ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 تم إيفاده من قبل الشيخ احمد البارزاني إلى الشيخ سعيد بهدف التنسيق مع الثورة وتمديد يد العون لها ضد سياسة التتريك والتعسف والاضطهاد القومي التي انتهجتها الطورانية التركية بحق الشعب الكوردي في تركيا، إضافة تقديم كافة أشكال الدعم المادي والسياسي للحركة الكوردية في كوردستان سوريا ومساندة واحتضان أبنائها.
هذا إن دلَّ على شيء إنما يدل على الواجب القومي والإنساني تجاه أشقائه. ثم اعتماد الحزب نهج تحديد الأولويات وضرورة تركيز نضاله استناداً إلى هذا النهج، مما مكّنه من لعب دور أساسي ومحوري أكثر فعالية وتأثيرًا في مجمل الحركة التحررية الكوردية وفق مراحله مختلفة في عقدي الأربعينيات والخمسينيات وما بعده.
ركز الحزب على محاربة الدكتاتورية والأنظمة الشمولية ومقارعة شتى أنواع الاستبداد التي كانت تملك آنذاك الإمكانات الهائلة على الصعيدين السياسي والعسكري، تصدّى الحزب للمشاريع التآمرية وإسقاط الأحلاف الخارجية، واعتبر ذلك من مهمته ذات أولولوية، هدفها الحفاظ على أمن وسلامة الشعب الكوردي، بالإضافة إلى دعم مسار حركة التحرر وتعزيزها التي مرّت في ظروف معقدة وصعبة للغاية، ومن اجل تحقيق هذه المهام الموكلة تحالف الحزب مع أحزاب ومنظمات مؤيدة للحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي وحقه في تقرير مصيره، وحتى تلك الأطراف التي لم تشاركه في طروحاته الفكرية، حقق بذلك إنجازات كبرى من القضاء على التهديد الوجودي الذي يواجهها. وأيضاً تعميق التواصل والتضامن مع الحركات التحررية والقوى المناضلة ضد العنصرية في العالم اجمع والوقوف مع قضاياها العادلة وخاصة كالقضية الفلسطينية، وإن حل الدولتين على أساس حدود 1967 هو الحل الأمثل لإنهاء النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ عقود مضت.
قاد الحزب ثورة الحادي عشر من أيلول التحررية عام 1961 بقيادة الملا مصطفى البارزاني الأب الروحي للأمة الكوردية التي اعتبرت ثورة الإنسانية ورسالة الكورد الى العالم، وأصبحت منارة لجميع الأحرار قضت على عقلية التفرد وأحادية السلطة المركزية، قد تطور نضاله في هذه المرحلة تطوراً نوعياً حيث أجبر النظام العراقي وجيشه على التراجع واللجوء الى المفاوضات، أدى تتويجاً بالانتصار أعلنت اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970 التي كانت إنجازاً تاريخياً مهماً بقيادة البارزاني الخالد.
إن صمود ونضال شعب كوردستان والتضحية من اجل حقوقه ثمرته اعتراف الحكومة المركزية بحق الحكم الذاتي للكورد والموافقة على مبدأ الشراكة في إدارة البلاد والاعتراف باللغة الكوردية كلغة رسمية الى جانب اللغة العربية، لكن تنصُّل الحكومة من بنود الاتفاقية وضربها عرض الحائط، كشف الوجه الحقيقي في نواياه المبيت ضد شعب كوردستان، فما كان من مفكر الثورة إلا رصّ الصفوف والإعداد مرة أخرى باندلاع ثورة كولان التقدمية عام1976 كـ "رد طبيعي" على اتفاقية الجزائر المشؤومة عام 1975 كانت بمثابة تفجر بركان وزلزال على النظام العراقي والإيراني التي بددت حلم أعداء كوردستان وفي إبادة شعبها.
حدد الحزب أولوياته وفي مقدمتها التحرير وثم التركيز على قضيته المركزية لشعب كوردستان، وعمل على تجنب الخلافات وبناء جبهة وطنية والارتقاء بالوضع بهدف تركيز الجهود باتجاه المحور الأساسي، وولوج القضية الكوردية الى المحافل الدولية. ثم عمد الحزب إلى بناء داخلي رصين يقود مشروع الدولة والمجتمع، ركز على أولوية دفع عملية النهوض الشامل وتوطيد الاستقرار وتوسيع المصالحات الوطنية بين كافة القوميات والأديان والمذاهب التي هي الحصن الرصين للسلم الأهلي، إضافة إلى تعزيز قدرات البيشمركة ورفع جاهزيته الدفاعية لأي عدوان خارجي يهدّد أمن وسلامة شعب كوردستان، من الواضح إن معيار تصاعد دور الحزب هو قدرته على تحديد الأولويات بغية الوصول الى تحقيق الأهداف وفق المصالح العليا للشعب.
بعض المراحل كان دور الحزب في تراجع نتيجة الانشغال بالمشاكل الداخلية والصراعات البينية مما كان تضعفه، وتثقل كاهله، كانت تشكل حواجز بينه وبين تحقيق أهدافه كذلك بينه وبين الجماهير،

إن غياب تحديد الأولويات للحزب يعني غياب معرفة الواقع والقراءة الخاطئة تؤدي الى الجمود الفكري والتفكك التنظيمي، وان المبادئ الأساسية وتحديد نهج التعامل مع المرحلة لا يعني التخلي عن المبادئ الأساسية، إنما السير باتجاهات ضوء معطيات الواقع وفق الإمكانات المتاحة لها.
الأهداف الكبرى للحزب الديمقراطي الكوردستاني هي حل القضية الكوردية حلاً عادلاً وحقه في تقرير مصيره، ونشر ثقافة الحوار والتسامح داخل البيت الكوردي وتحريم الاقتتال أو اللجوء إلى استعمال القوة، وترسيخ مبدأ التعايش بين كافة مكونات الشعب، ضمان المشاركة الحقيقية في صنع اتخاذ القرار السياسي في جميع مفاصل الدولة، تشكل هذه المبادئ الأساسية للحزب.
أما النهج فهو القاعدة السياسية التي يجب اتباعها في سيره نحو تحقيق الأهداف الكبيرة، ولكل مرحلة خصائصها وطبيعتها النضالية أو بعبارة أخرى جميع الاتجاهات تصب في دعم الهدف المرحلي وإنجازه. واذا نظرنا عن كثب واقع الأحزاب السياسية الأخرى وخصوصية أجزائها مع التركيز في وضع الحزب الديمقراطي الكوردستاني منذ سنوات مضت نجد أن هذا الوضع بحاجة الى مراجعة شاملة إذ لا يرضي طموح الجماهير على الرغم مما تحقق من إنجازات هامة وعلى مسارات مختلفة، وأذكر بعض من هذا القصور منها ذاتي مرتبط بالوضع الداخلي ومنها ما هو موضوعي خارج إرادة الحزب خاصة بعد ظهور تطورات كبرى في المنطقة أثر ذلك على واقع الحياة السياسية والاقتصادية لشعب كوردستان، بالإضافة الى انهيار الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى أثّر بتغير كبير في موازيين القوى وخريطة النفوذ في العالم، الهجرة المليونية لأبناء الشعب الكوردي عام 1991، قد تعرّض حينها لكارثة كبرى يندى لها جبين الإنسانية من بطش ديكتاتور العراق البائد صدام حسين بحق شعب كوردستان واحتلال الكويت حرب الخليج الأولى والثانية عام 2003 التدخلات الإقليمية في الشؤون الداخلية لإقليم كوردستان من قبل تركيا وايران وحرب داعش عام 2014 وقطع حصة الإقليم من ميزانية الدولة، مجمل هذه الوقائع شكل مجموعة من الانعطافات الخطيرة على الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية لإقليم كوردستان العراق.
المطلوب، الحاجة إلى تعزيز التوجه نحو التجديد الفكري والتنظيمي والفكري، ومعرفة الحزب تحديد كيفية التعامل مع المبادئ الأساسية في المرحلة الراهنة مما يعزز القدرة والاستمرارية على خدمة هذه المبادئ والتقدم بها نحو تحقيق الأهداف النضالية المرحلية، والتطورية هذه الدينامية وتلك القناعة لا يمكن أن تكون مالم تتضافر وتتشابك الأيدي، وتتلاحم السواعد بين القاعدة الجماهيرية للحزب في ممارسة دورها الفاعل مدافعاً عن حقها الذي يضمن له الدستور. الجانب التنظيمي، لا بد من مراعاة ظروف الأوضاع الكوردستانية وخصوصيتها وإعطائها المرونة في التعامل مع الظروف المرحلية التي لا تعارض توجهها الأساسي القائم على مبدأ حماية النهج والحفاظ على الوحدة التنظيمية للحزب.
إن التطوير الفكري ونشره مفاهيم القومية على الساحة الكوردستانية لا يعني التخلي عن المبادئ الأساسية إنما اختيار النهج الأفضل لها في مسيرته النضالية، الإيمان الراسخ بالنهج خلاصاً في ترسيخ الوعي المتجدد تعتبر ضماناً لمبادئ الحزب وتحقيق أهدافه، فالجمود الفكري يعني موت الحزب وتراجع دوره الطليعي.
بالتالي أن التطوير يطلق قدراته النضالية ويعيد ديناميكية الحزب على الساحة الكوردية ثم انطلاقة نحو العالم الإقليمي والدولي، هذا يتطلب التركيز على القضايا الأساسية التي جوهرها القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره وفق العهود والمواثيق الدولية.
الصيغ الواردة تشكل منطلقاً لتطوير الحزب وتطوير مسيرته الغني بالإنجازات على مختلف الأصعدة الفكرية والتنظيمية والسياسية والاقتصادية والتنمية المستدامة، تشكل هذه الصيغ نهجاً متكاملاً ومتطوراً يتمُّ على أساسه التعامل مع الواقع وتجدّد مراحله تختلف تماماً عن سماتها وخصائصها من مراحل سبقتها.
إن فهم واستيعاب الصيغ وجعلها منطلقاً في الممارسة تسهم في تعزيز وبناء الحزب وإنجاز برامجه الاستراتيجية وتقدُّمه المستمر ثم فتح آفاق المستقبل نحو تحقيق الأهداف الأساسية، تتجاوز من خلاله الصعاب والعقبات والسلبيات.
الحزب وتنظيماته تقف أمام مهام نضالية كبيرة، والنجاح مرهون بالتفاف الجماهير حول خيارات الحزب الصائبة، والتمسك بإخلاص النهج القومي السلمي لمؤسسه الملا مصطفى البارزاني الخالد، والسير على خطاه حامل رسالة الأمة الرئيس مسعود البارزاني الذي سيبقى دائمًا ضرورة قومية كوردستانية حتى تحقيق إرادة الاستقلال، وإقامة الدولة المنشودة.