ما الذي ينتظر الشرق الأوسط في عام 2024؟!

ما الذي ينتظر الشرق الأوسط في عام 2024؟!

محمد زنكنة

لم يكن العام 2023 عامًا هادئا بالنسبة للشرق الأوسط وتحديداً في الثلث الأخير منه بعد ما شهده العالم من تجدد لصراع قديم بعمر الثمانية عقود بين الفلسطينيين والإسرائيليين على إثر ما حصل في السابع من أكتوبر وتبعات ما حصل من اجتياح بري وغارات جوية، ومع أن هذا الحدث لم يكن الوحيد في العام لكنه كان الأبرز والذي فجّر كلّ الصراعات الأخرى في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن مما أدى إلى انقسام العالم إلى جبهتين متضادتين، إحداهما مؤيدة لإسرائيل والثانية تقف ضدها، ولكن بنسبة أخف أقل شدة من الجبهة الأولى.
من خلال قراءة سريعة لامتداد هذه الصراعات، من الواضح أن العام 2024 لن يكون عاماً سهلاً على منطقة الشرق الأوسط حيث تلعب الهيمنة الإيرانية دورًا أساسيًا في تثبيت وتقوية الحجج للجبهة الداعمة لإسرائيل وتساهم في رسم خارطة الصراع في المنطقة كما تضع هذه الهيمنة حكومات الدول العربية والخليجية أمام حرج من السكوت على التوسع الإيراني أو تجبرها على الانجرار إلى صراع من الممكن أن يكلّفها الكثير مع أنني استبعد تمامًا وجود أي صراع مسلح بين دول المنطقة الرافضة لسياسة التوسع الإيراني مع نظام الجمهورية الإسلامية.
في العراق، تعاني حكومة محمد شياع السوداني والتي تشكّلت بعد أزمة وانسداد سياسي استمر لعام كامل من العديد من المشاكل والتعقيدات بسبب سيطرة المليشيات المدعومة من إيران عليها ووقوفها عائقًا أمام تنفيذ البرنامج الحكومي الذي أقرته حكومة السوداني والتي اتفقت عليها جميع الأطراف السياسية التي دخلت في تحالف إدارة الدولة بعد انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية، فالانتخابات النيابية المبكرة والتي كان من المقرر إجراؤها في فترة لا تتعدّى العام لم تُنفّذ، ومازالت الخلافات حول قانون الموازنة ورواتب موظفي إقليم كوردستان باقية، وهي تتطور يومًا بعد يوم على إثر تعنُّت الحكومة الاتحادية وإصرارها على عدم تنفيذ ما يتعلق بمستحقات موظفي الإقليم، هذا بالإضافة إلى ما يُسمّى بإعلان الجهاد على الجيش الأمريكي وقوات التحالف واستمرار استهداف الأهداف العسكرية الأمريكية في الإقليم، ولم تكتفِ الحكومةُ بهذه الأزمة، هي الآن تواجه مشاكلَ ما بعد انتخابات مجالس المحافظات ولا يمكن أيضاً تجاهل إقصاء الحلبوسي من العملية السياسية بحكم المحكمة الاتحادية والتي باتت أكبر حجر عثرة أمام العملية السياسية، وأعادت نتائج الانتخابات المحلية والمراكز المتقدمة التي حققها الحلبوسي إحياء هذا الصراع الذي سيتصدر في الأيام المقبلة عناوين الأخبار، ناهيكم عن الصراع الشيعي الشيعي بين التيار الصدري والأطراف الأخرى المنضوية تحت مظلة الإطار التنسيقي والمناوشات المسلحة المستمرة بين كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق والاشتباكات بين قوات الشرطة الاتحادية والميليشيات التي تتجدّدُ بين فترة وأخرى..
هناك الكثير مما ينتظر العراق في هذا العام والذي من الممكن أن يضع عمليته السياسية على المحك، ويهدد بسقوط حكومته في أية لحظة وخصوصًا بوجود العديد من الملاحظات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على مجمل العملية السياسية العراقية.
تمتدُّ أزمة الهيمنة الإيرانية إلى سوريا والتي باتت وبإشراف مباشر من روسيا التي تشكّلُ القطبَ المضادَ للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، هي المحرّك الأساسي للنظام السوري والذي لن يتوانى عن التضحية بكل شيء من أجل البقاء على سدّة الحكم. فالميليشيات الإيرانية تتخذ من الأراضي السورية قواعد أساسية لها وهي تتعرض للقصف الأمريكي بين الحين والآخر، ومن أراضيها تنطلق الصواريخ والطائرات المسيرة نحو الأهداف الأمريكية في العراق والخليج وهي أيضاً (أي الميليشيات) مع شركائهم الموجودين في العراق يعرفون أنفسهم كجزء من خط المقاومة ضد إسرائيل على الرغم من إعلان النظام الإيراني عدم مشاركته بشكل مباشر، لكن هذا الموضوع لم يترك أي مجال أمام إسرائيل للشك في نوايا إيران والتي تتهمها دوماً بالضلوع في القصف المستمر الذي تتعرض له الأهداف الإسرائيلية من قبل حماس، لتأتي حادثة مقتل الدبلوماسي الإيراني رضا موسوي في دمشق وتضيف مزيداً من التعقيد على مجمل الأزمة، وتضع سوريا مجددًا في بؤرة الأزمة ولتتحول لساحة أخرى للصراع الإيراني الأمريكي (الروسي الأمريكي).
وهنا لم نتوسع في الحديث عن الوضع الكوردي وتصرفات الإدارة الذاتية وتهديدات حزب الـ(PKK) لأي حزب وطرف لا يسير على خطاها الانهزامية، لكنها أيضاً تشكل طرفًا آخر من الصراع الذي يضع الجانب الكوردي أيضاً في ترجيح كفّة على أخرى، وهذا مناف تمامًا للسياسة العامة الكوردية والتي تم الاتفاق عليها في مؤتمر باكو في عام 1948 بعد إسقاط جمهورية كوردستان في مهاباد حيث نص الاتفاق على ضرورة حل المسالة الكوردية على أساس خصوصية وطبيعة الدولة التي ألحق بها كلُّ جزءٍ من كوردستان في إطار هذه الدولة.
في سوريا لن يكون الوضع هادئًا، فالنظام يرتبط بالسياسة الإيرانية، وأي تهديد يواجه هذا النظام سيؤثر على بقاء النظام السوري من عدمه وفي كل الأحوال لا يخدم التشتت الكوردي بفعل سياسات الـ(PKK) أي أمل لمستقبل كوردي أفضل في المنطقة.
فلسطين.. وهي بؤرة الصراع في الشرق الأوسط أثرت على دول المنطقة دون استثناء، وخصوصاً دول الخليج وصولًا إلى مصر والعراق وسوريا، حيث يستمر الجانب الإسرائيلي بحصاره وتقدُّمه البري في عمق غزة دون أية فائدة من توصيات وقرارات الجمعية العمومية للأمم المتحدة أو مجلس الأمن وعدم وجود مشاريع ومقترحات ومبادرات جادة لحل هذه المشكلة العويصة، فمازالت المؤشرات تبين أن الهدف من هذه الحرب هو إخلاء غزة من سكانها وتوطينهم في مصر وتحديدًا في سيناء والأردن وصحراء الأنبار في العراق، وهذا ما ترفضه مصر جملة وتفصيلاً، وتراه الولايات المتحدة الأمريكية أساساً لاستقرار علاقتها بمصر، ولا تقبل به الأردن ولا يمكن أن تقبل به ، والعراق في موقف الصمت لا يستطيع أن يبين أي موقف من هذا الموضوع لارتباطه المتشتت بأكثر من أجندة، وهذا ما يعزّز الاعتقاد أن الحرب في فلسطين من الممكن أن تمتد وتستمر وتتسبب في انخراط العديد من الدول والجهات فيها لتشهد المنطقة حربًا دولية إقليمية مُموّلة من الولايات المتحدة ودول الخليج لإبعادها عن حدودهم ومنفذة من قبل دول لا تهتم أنظمتها إلا للبقاء على سدة الحكم.
ولم يكن اليمن بعيداً عن الصراع، باستهداف سفن إسرائيلية من قبل الحوثيين وإطلاق التهديد تلو الآخر تجاه إسرائيل والدخول بشكل مباشر إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهو أصلًا منقسم على نفسه بين قوات مدعومة من إيران وأخرى من السعودية والإمارات وفصائل مدعومة من قبل ابن شقيق الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وجميع هذه القوات والفصائل تتقاتل من أجل توسيع النفوذ على حساب الأخرى، وأبرزها قوات الحوثيين المدعومة وبشكل مباشر من إيران والتي تهدد السعودية بشكل علني، وارتباطها بإيران جعلها جزءاً من جبهة الطائرات المسيرة ضد الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، وهنا أيضاً تظهر لنا ذات النتيجة بان اليمن أيضاً بانتظار الكثير مما لن يسرها، ولن يريح دول المنطقة.
أما لبنان، والتي تعاني من فراغ رئاسي وتعدد الأجندات ما بين إيراني سوري وسعودي أمريكي، يساهم فيها حزب الله وبشكل فعال في إبعاد الدولة عن كل مظاهر الدولة، فهي تلعب دور البديل للنظام السوري والذي كان يحدّد اسم الرئيس ورئيس الوزراء، وكان جيشه يحتل جزءًا كبيرًا من لبنان، ويستهدف وبشكل مستمر المخيّمات الفلسطينية فيها، ومع أنها لن تكون ببعيدة عن هذه المعمعة لكن التأثيرات عليها ستكون اقتصادية أكثر مما تكون سياسية أو عسكرية والتأثيرات العسكرية من الممكن أن تصيب مناطق تخضع لنفوذ حزب الله في الجنوب اللبناني، وبالتالي ستتأثر بقية المدن والمحافظات اللبنانية بهذا التأثير والذي لن يبعدها عن قرار وتحكم النظام السوري المتحكم به من قبل نظام جمهورية إيران الإسلامية.
تتضح لنا من هذه القراءة أن منطقة الشرق الأوسط ستكون على صفيح ساخن، وسيكون تأثير الأزمات فيها كما تأثير احتراق أعواد الكبريت التي ستنتقل نارها بين واحدة وأخرى، وإن الأطراف المموّلة والداعمة ستساهم وباستقتال لإبعاد شبح الحروب عن حدود دولها.
باستمرار هذه المعادلة لن يكون أمام المجتمع الدولي حلولٌ غير الرضوخ لهذا الواقع، وبداية صفحة جديدة من الحروب أو المباشرة برسم خريطة جديدة يجب أن يكون للكورد فيها بصمةٌ مهمةٌ تختلف عمّا حصل قبل مئة عام، وهذا ما سيضمن استقراراً كبيراً وواسعاً لمنطقة الشرق الأوسط وحلاً لأغلب مشاكل المنطقة.
وللحديث بقية حول هذا الموضوع ...