النافذة المفتوحة.. وبلد اسمه سوريا

النافذة المفتوحة.. وبلد اسمه سوريا

صالح محمود

النافذة المفتوحة هي نظرية صاغها خبراء السوسيولوجيا أو علم الاجتماع، وهي عبارة عن تجربة عملية أجروها، وانتظروا النتائج وهي تتلخص فيما يلي: لقد ركن هؤلاء الخبراء سيارتين اثنتين؛ الأولى في حي فقير، والثانية في حي راقٍ وغني، وبدأ هؤلاء الخبراء أولاً بمراقبة السيارة التي رُكنت في الحي الفقير فمضت عدة أيام، ولم يقترب منها أحد، حيث كانت السيارة مغلقة ومحكمة الأبواب والنوافذ، والخطوة الثانية هي أن هؤلاء الخبراء قد أقدموا على فتح واحدة من نوافذ هذه السيارة وبالمكان نفسه، وبدأت المراقبة من جديد، مراقبة رد فعل وسلوك الناس والمارة، والذي جرى إن السيارة، وخلال ثلاثة أيام فقط تحولت إلى خردة، لقد نُهبَت كل محتوياتها، ومن ثم بدؤوا بإعادة تطبيق نفس التجربة بحي أرقى وإذا بالنتيجة نفسها تتكرر، نـُهبتْ السيارة الأخرى وتحوّلت إلى خردة، ولكن التجربة الأولى اختلفت عن الثانية أنها فقط استغرقت وقتاً أكثر.
الخلاصة من هذه التجربة هي عند غياب قانون يحاسب الناس على تصرفاتهم أو غياب سلطة تراقب أفعالهم يتصرفون تصرفات غريبة وشاذة ولا مسؤولة حتى لو كانوا في حي راقٍ، فالناس دوماً يحتاجون إلى سلطة، ويحتاجون إلى مراقبة ومحاسبة ومتابعة وإلا ساءت الأحوال، ومثال ذلك ينطبق أيضاً على وضع بعض أكياس القمامة في زاوية حديقة عامة، فخلال ساعات ترى أغلب زوّار الحديقة يرمون قمامتهم ومهملاتهم بنفس الزاوية، وتتحول تلك الزاوية بالتالي إلى مركز لتجميع وتكويم القمامة، فبمجرد شعور الناس وإحساسهم أنه لا توجد سلطة تراقب تصرفاتهم، ولا توجد جهة تحاسبهم يتصرفون تصرفات غريبة وشاذة وغير لائقة.
في ستينيات القرن الماضي شهدت مدينة أمريكية نسبة عالية من الجريمة والفوضى، وكانت القمامة منتشرة في كل مكان وشهدت حركة المرور والسير فوضىً عجيبةً، وبلغت الحوادث والمخالفات المرورية درجةً عاليةً جداً قياساً لباقي المدن، ولما قررت السلطات الاعتناء بهذه المدينة عن طريق فرض القوانين ومعاقبة المخالفين بشدة، وفرض غرامات عليهم، وبدأت ورشات البلدية بتكنيس وتنظيف الشوارع، وحرصت على إبقائها نظيفة وأنيقة، وعندما شعر المواطنون بوجود سلطة ومحاسبة وغرامات مالية تفرض على المخالفين تغيّر سلوكهم جذرياً!! وتناقصتْ نسبة الجريمة، واختفت الفوضى، وزادت نسبة الالتزام بالقوانين.
سوريا هي عربة فُتحتْ نوافذها، وتعرّضت للنهب والسلب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لقد نهبها اللصوص والمارة، وفعلوا بها الأفاعيل، وأول الأشياء التي سُرقت منها هي الأشياء المادية، النقود، الذهب، الآثار، أجهزة المعامل، النفط، المحاصيل بأنواعها، الثروة الحيوانية والزراعية، وكذلك الأرض التي تقاسمتها الدول ومن ثمَّ بدأت عملية نهب الطاقة البشرية وخاصة من فئة الشباب وعملية سرقة العقول والعلماء مازالت قائمة ومستمرة، فالأغلبية الساحقة منهم أصبحت خارج الحدود وحتّى الفنانين والمخرجين والطلبة والكوادر العلمية وأصحاب الحرف والصناعات لم يسلموا من النهب، فأغلبهم صاروا خارج البلاد.
سوريا أصبحت صاحبة الحصة الأكبر من المآسي بين بلدان الربيع العربي، فهي بلد نازف بامتياز، ومازال النزف مستمراً، وقد تهالكت، وانهارت، وخارت قواها من كثرة النزف، وحقيقةً الذي جرى في سوريا هو أفظع بكثير مما جرى في فلسطين أيام النكبة، وأفظع مما خلفته الحرب العراقية الإيرانية خلال ثماني سنوات، فالوضع في سوريا يكاد يضاهي ما جرى في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي من حيث حجم المأساة وعدد الضحايا، فالذي حدث في سوريا هو أمر جلل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى! قتلى بمئات الآلاف وهجرة ونزوح بالملايين وغلاء وفقر وعوز وفاقة ومآسي وفساد وحرمان من كل شيء، فبلد مثل راوندا تعرض لحرب إبادة في التسعينيات، وشهد دماراً ومآسي فظيعة جداً، ولكن مع ذلك توفرت إرادة قوية لدى شعبها مما حوّلها الى بلدٍ متحضّر خلال مدةٌ قصيرةٍ لا تتجاوز عقدين أو ثلاثة من الزمن، وحصل على لقب "سنغافورة الجديدة" فكم تحتاج سوريا من الوقت لكي تصحو وتتعافى؟ وكم تحتاج من الزمن لتسترد قوتها وعافيتها؟ في ظل هيمنة الميليشيات والأجندة الخارجية والاحتلالات المتعددة.
إن حجم الخراب الذي وقع في سوريا كبير جداً والإصلاح يحتاج إلى معجزة، فالمثل الكردي يقول: "اتفق اللص وصاحب الدار على سرقة الدار فأخرجوا الثور من الكوة الصغيرة للحظيرة "فهذه حال سوريا تماماً، اتفق الجميع على نهبها وسرقتها حتى أبناؤها لم يوفروها، ولم يبق منها شيء، لقد تحولت الى خردة، فالأشياء المادية المتبقية في هذا البلد هي عبارة عن خردة لا تصلح لشيء، وكذلك البشر المتبقّون أيضاً تحولوا إلى خردة من وجع المعاناة والفقر والظروف الصعبة، فالطاقة أو الثروة البشرية الحقيقية في هذا البلد قضتْ في الحرب اللعينة أو هاجرت أو رحلت بعيداً.
طالت رحلة المعاناة والنهب والدمار، وإنّه لمؤلم وموجع جداً أن ترى بأمّ عينك بلداً بأكمله ينهار، وينتهي، ولا تقوى على فعل شيء، فهذه البلاد تحتاج إلى جهود جبارة وأسطورية لكي تقف على ساقيها من جديد !.وقد انطبق عليها قول الشاعر:"
ماذا معي؟ لو كان ينفع ما معي كل الذي في الكف ليس بمقنعي
الباب مكسورٌ ونافذتي ذوتْ قل للرياح العابثات تمتعي
وكان الله في عونك سوريا!