المستجيرون من الرمضاء بالنار...!
علي جزيري
يتساءل زكريا تامر في مقدمته لـ "سأخون وطني": أيُّ وطنٍ هو ذلك الذي يعتزم محمد الماغوط أن يخونه؟ ويضيف تامر: الأوطان نوعان، أوطان مزورة يتحكم بها الطغاة وأخرى حقيقية يعيش فيها الناس الأحرار. الولاء للأولى خيانة، فهي لا تمنح سوى القهر والذل والفاقة، وأضحت مدنها وقراها لا تضم سوى القبور والسجون، وباتت الكتابة فيها أقل أمناً من النوم مع الأفاعي في فراش واحد.
أعادَ الماغوط للكلمة بعض بهائها المفقود، حين رصدَ تجربة السوريين الذين خُدعوا بالشعارات الزائفة طوال عقود، في ظل نظام شمولي يُروّج أيديولوجيته العفلقية القائمة على التزييف والكذب والرياء، مما اضطّر السوريون لاختيار المنافي بعد أن ضاقت بهم السبل، في وطن بات يخيم عليه الجنون، وتحصي عليه أجهزة الأمن أنفاسه، ويُربّى المواطن فيه على تركيع الشريف واعلاء قدر من كان للحاكم بوق.
وهاهي المنافي اليوم تعجّ بالنازحين السوريين قسراً، مكرهين أو على مضض، فرادى وجماعات، هرباً من الطغيان الذي أحال البلد إلى مقصلة، وزاد الطين بلة ما ارتكبته الشبيحة من قتل واختطاف ونهب، ناهيك عن القوى التكفيرية التي أججت النار بالوكالة كي تحرق الأخضر واليابس، وغدا المُهَجّرون بمن فيهم الكُرد كمن يتقي الرمضاء بالنار، لأن الفارين من وطأة جحيم الاستبداد سرعان ما تحولوا إلى فريسة بين يدي سماسرة ومافيات التهريب، فتساقطوا في دروب الآلام بالمئات، إما غرقاً على متن قوارب الموت المنسقة أو اختناقاً على متن شاحنات الموت. ومن المفيد ذكره، إن رحلة المعاناة تبدأ فور ترهين المهاجر نفسه لشبكات المافيا في دول العبور.
كلنا شهود عيان على محنة نزوح السوريين الذين فرّوا من الجحيم فكان الموت لهم بالمرصاد، فإما أن يلقى الفارون حتفهم برصاص الجنود الأتراك على الحدود (رودي سليمان أحمد)، أو يفارقون الحياة في قرّ الشتاء وزمهريره هناك في أحراج بلغاريا مثل إبن ضيعتي (عبدالله حسين) ورفاقه أو يبتلعه البحر كـ (بسام حسن وشقيقه والطفل الكُردي آلان) أو تسحق لبنة اسمنتية هاوية من علٍ جمجمته (آراس عبدالباقي أحمد) بعد لجوئه إلى آمد ليعالج زوجته المصابة بالسرطان، والمغدور تربطني به صلة قربى، ومنهم من قضى نحبه في شاحنة الموت التي حُشر فيها 71 مهجّراً في آب 2015 بين صربيا والمجر، ولاقى الجميع حتفهم.
جدير ذكره أن ابنَيْ الفنان التشكيلي خليل مصطفى (حسين 34 عاماً، رامان 21 عاماً) من مدينة القامشلي كانا من بين الضحايا الذين فارقوا الحياة اختناقاً في داخل شاحنة الشؤم النمساوية تلك. أتحفنا المؤرخ الاغريقي "هيرودوت" بمقولة مفادها: (في زمن السلم يدفن الأبناء آباءهم، وفي زمن الحرب يدفن الآباء أولادهم) ...!
ومازالت الأمم المتحدة تائهة في لامبالاتها، فقط يقتصر دورها على اصدار بيانات التنديد والاستنكار...! دورها أشبه ما يكون بدور رجل الدين حين يُقدم على مراسيم تشييع الموتى...!