افتعال أزمة الحركة الكوردية في غربي كوردستان

افتعال أزمة الحركة الكوردية في غربي كوردستان

شكري بكر

لم يبقَ حزب كوردي لم يتحدث عن الأزمة التي عصفت بالحركة الكوردية في سوريا منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، والتي رافقت انشقاق الحزب الديمقراطي الكوردستاني - سوريا على أثر تعرّض قيادة الحزب للاعتقال، وفي زنازين النظام نشب الخلاف بين أعضاء القيادة وتمحور هذا الخلاف حول شعار الذي قد تبناه الحزب ألا وهو تحرير وتوحيد كوردستان.
لقد عمد طرفا الخلاف آنذاك إلى تشكيل حزب بما يتلاءم مع رؤى وقناعات كل طرف، ويمكن حصر ذاك الخلاف بتيارين:
الأول: استمرار التمسُّك بالثوابت القومية للشعب الكوردي الذي يعيش على أرضه التاريخية بالجزء الكوردستاني الملحق بالدولة السورية كما نصت عليها اتفاقية سايكس بيكو السيئة الصيت.
الثاني: بثّ روح المساومة فيه بالتنازل عن الثوابت القومية وجعلها من قضية شعب إلى قضية أقلية قومية، هاجرت من كوردستان تركيا جنوبا والإقامة في مدن مثل حلب ودمشق واللاذقية والحسكة.
ليس بمقدور أحد التنكر لحقيقة ألا وهي انتقال بعض العوائل الكوردية من الشمال نحو الجنوب إبان الإمبراطورية العثمانية التي فرضت سلطتها على كامل منطقة الشرق الأوسط، وهذا الانتقال وبعرف القوانين تعتبر هجرة داخلية، لأنها حصلت قبل ترسيم الحدود ووضع خارطة دول الشرق الأوسط حسب اتفاقية سايكس بيكو، وما جلاء القوات الفرنسية من سوريا عام 1946 الذي جاء على هذا الأساس.
في غضون ذلك لا يسعنا إلا أن نقول أن الانشقاق الأول الذي وقع في الحزب الديمقراطي - سوريا يمكن تبريره لأنه كان انشقاقاً مبدئيا(فكريا سياسيا) وما لحقه من انشقاقات وإن كان لا مبرر لبعضها لكن من حيث المبدأ لا تختلف كثيرا عن الانشقاق الأول عام 1965 ، وأغلب تلك قد جاءت نتيجة للتدخل المباشر من قِبل النظام السوري في الشؤون الداخلية للحركة الكوردية بهدف تشتيتها ، ضعيفة وهشة من جهة ، ومن جهة أخرى بروز ثقافة الأنا وضيق الأفق الحزبي، وتفضيل المصلحة الخاصة على المصلحة العامة لدى بعض الشخصيات السياسية وكذلك بعض الأوساط الحزبية من الحركة السياسية الكوردية في سوريا .
فيما بعد أصبح موضوع الانشقاق سلوكا لمن سلك خط المساومة على الثوابت القومية للشعب الكوردي والاختلاف حول مفهومي "الشعب والأقلية".
إزاء هذا الواقع المؤسف له قد انعكس سلباً على الشارع الكوردي بشكل عام والحزبي بشكل خاص لأنه جاء مفتعلا عبر بعض الأدوات المقربة من النظام لارتباط مصالح تلك الأدوات بمصالح النظام السوري.
ولتعميق الحديث أكثر عن أزمة الحركة الكوردية في سوريا يمكن القول أن هذه الأزمة قد افتعلت بهدف إضعافها وإقصائها ليتحقق بذلك سياسات النظام الرافضة لوجود قضية كوردية، والنكران لها من قِبل جميع الأنظمة المتعاقبة على السلطة منذ الجلاء وإلى الآن .
منذ إعلان أول حزب كوردي في سوريا وإلى الآن ليس خافيا على أحد أن بعض القوى الكوردية قد قدمت مساهمات كبيرة تجاه نكران النظام للقضية الكوردية في سوريا، مما أدى ذلك إلى ترسيخ الخلاف الكوردي الكوردي، التي شكلت عراقيل كبيرة أمام تطور الحركة الكوردية،
من أهم هذه العراقيل:
- غياب وحدة الصف الكوردي.
- تعطيل آليات عقد المؤتمر القومي الكوردي الشامل.
- تعطيل القرار الكوردي في إيصال القضية الكوردية إلى المحافل الدولية.
- الانقسام الداخلي أدى به إلى انقسام دولي لكسب موقف دولي دعماً للقضية الكوردية إنسانياً وقوميًا.
الملفت في شأن أزمة الحركة ومفتعليها قد عمدوا شق الأحزاب والمناداة بنفس الوقت بوحدة الصف.
في هذا السياق سؤال يطرح نفسه:
إذا كان هدف المنشقين، النضال من أجل الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، لماذا تقومون بشق أحزابكم أيها المنشقون؟
في النضال السياسي والدفاع عن حقوق الشعب الكوردي ندرك أنه لا بد من اتخاذ بعض التكتيكات السياسية مع القوى الوطنية السورية، والمحورين الإقليمي والدولي انطلاقاً من المصلحة الكوردية العليا من جهة، وإحداث تغيير في الهيكل التنظيمي وخاصة في مجال إعداد هيكلة القيادة حسب المهام وضرورات المصلحة الحزبية للانتقال بالحزب نحو الأفضل تنظيمياً وسياسياً بما يتلاءم مع المستجدات السياسة الإقليمية والدولية.
ويتضح من غالبية الانشقاقات التي حدثت في الحركة الكوردية يتم التجهيز لها بعيد انتهاء المؤتمرات الحزبية مباشرة ، يُفهم من ذلك أن الانشقاق يُلحق بالحركة الكوردية خسارة كبيرة للشعب والقضية الكوردية، ويُقدّم عليها بعض الرموز من ذوي النفوس المريضة التي تنشأ في صفوف الأقلية التي تتشكل كحالة طبيعية في جميع المؤتمرات الحزبية، أو بعض الرموز المغرر بهم ، أو بعض المتضررين ممن لم ينالوا الفوز بالقيادة، يبادرون على الفور إلى تشكيل تكتل تحضيرا للانشقاق والاعتراض على نتائج المؤتمر ومن ثم رفضا لها والتي تم التصويت عليها بالأكثرية.
عندئذ لا شك أن الهدف من إقامة أجواء تكتلية هو هروب من الاستحقاقات القومية والانتقال من محور النضال المشرِف إلى محور المساومة على الثوابت القومية للشعب الكوردي في سوريا وهنا تكمن غاية يعقوب .