إقليم كوردستان .. نموذج للتعايش

 إقليم كوردستان .. نموذج للتعايش

الدكتور: عبدالحكيم بشار

في الأزمات تظهر التصرفات المعبِّرة عن كنه الأفراد، وكذلك الأمر عن طبيعة المجتمعات، فيظهر الفرد على حقيقته من خلال ممارساته. ذلك السلوك يعبِّر عن شخصيته الحقيقية والتي قد لا تبدو واضحة للعيان بما فيه الكفاية في الظروف الطبيعية، إذ يصبح الفرز وقت الأزمات واضحاً بين الكل، مع أن الكثير منهم قبل الأزمة يشبهون بعضهم البعض، حيث تكون الأزمة أو المحنة أو الكارثة هي المحك لاختبار معادن الناس.
وما يقال عن الأفراد ينسحب على المجتمعات وسلوكها الجماعي مع دوام أزمات المنطقة وحالة الحرب المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، ولا يُخفى على أحد حالة عدم الاستقرار بأشكاله السياسية والاقتصادية والأمنية التي دفعت ملايين الناس إلى ترك ديارها بحثاً عن ملاذات أكثر أمناً واستقراراّ، وتسببت أزمتا سوريا والعراق بالهجرة والتهجير البشري الأكبر في منطقتنا إلى دول الجوار أو الهجرة إلى الدول الغربية، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي.
وبنظرةٍ فاحصة إلى وضع اللاجئين في المنطقة سنجد أمامنا مشكلتين كبيرتين واجهت اللاجئين، الأولى: الموقف السلبي من الحكومة المستضيفة للاجئين واستغلال معاناتهم الإنسانية لصالحها واستخدام اللاجئين كأوراق ضغط بين الدول، والموقف السلبي من المجتمعات المستضيفة لأولئك اللاجئين بدءاً من الاستهداف اللفظي في الشارع وصولاً إلى درجة الاعتداءات الجسدية في الشارع والتي قد تصل إلى القتل في الكثير من الأحيان، إضافةً إلى التنمُّر بمختلف أشكاله، ووضع مختلف العراقيل المتعلقة بالعمل أمام اللاجئ الذي يبحث عن قوت يومه في تلك الدول، ناهيكم عن حرمان فئات واسعة منهم من حق الدراسة والتعليم وملاقاتهم مختلف أشكال التمييز الصارخ.
والمشكلة الثانية:
بالرغم من الموقف الإيجابي لبعض حكومات المنطقة من اللاجئين وقضيتهم، إلا أنه رافق ذلك سلبية عامة من قبل مجتمع هذه الدولة أو تلك تجاه اللاجئين، وممارسة مختلف أشكال التمييز ضدهم، وجعلهم يعيشون حالة من القلق الدائم وعدم الاستقرار، حيث أن بعض اللاجئين في دول الجوار يعيشون تحت وطأة التهديد الدائم من قبل الغوغائيين الذين تستثير غرائزهم الدونية وتُحركهم بطريقةٍ هوجاء أصغر وسيلة إعلامية مناهضة لوجود اللاجئين.
لكن خلافاً لهذين النموذجين السلبيين، هناك نموذج مختلف عنهما، ويشكل شعلة مضيئة في المنطقة، وهو إقليم كوردستان، هذا بالرغم من أن هذا الإقليم هو الطرف الوحيد الذي احتضن اللاجئين من دون المتاجرة السياسية بهم، ومن دون استخدامهم كورقة ضد الدول الأخرى، ومن دون التفاخر أمام الإعلام أنهم استقبلوا اللاجئين، أو صرفوا عليهم الملايين كما تفعل بعض الدول الإقليمية مع اللاجئين وقضيتهم، علماً أن الدول المذكورة لا تصرف عليهم شيئاً من خزينتها.
وبخلاف من ذكرناهم فالتعامل الإيجابي جداً من قبل حكومة الإقليم وحماية اللاجئين ومنحهم فرص العمل وإعطائهم حس الأمان والاستقرار والتعليم والصحة وغيرها والاحتفاء الشعبي باللاجئين وعدم ممارسة أي نوع من الضغط أو التهديد المجتمعي ضدهم، إذ المفارقة اللافتة للنظر والجديرة بالإشادة في الإقليم هي أنه حتى الجهات المعارضة لحكومة الإقليم لم تلجأ يوماً إلى الضغط على اللاجئين أو استهدافهم أو جعلهم ورقة سياسية يحاربون الحكومة من خلالهم.
بعيداً عن أروقة السياسة فالمجتمع الكردي يتعامل بمنتهى اللطف والرقي والإنسانية مع اللاجئ، ويوفر له الأمان المجتمعي والمساواة في التعامل هذا بوجه عام، وطبعاً لا يخلو الأمر من وجود بعض الحالات الشاذة التي قد نرى ما هو أسوأ منها في أرقى المجتمعات، ولكن المميز في الإقليم أنه لم تسجل حتى شكوى من حالة تنمر واحدة تعرض لها أي لاجئ، وبديهي أن لا تكون ثمة ظروف العمل مثالية في الإقليم منها بسبب كثرة طالبي العمل الذين تزيد أعدادهم عن احتياجات سوق العمل، ومنها بسبب تعرض الإقليم إلى الحصار والضغط السياسي والاقتصادي المستمر من قبل الحكومة المركزية وكذلك الأمر من قبل بعض الدول المجاورة.
لكن بالرغم من تلك الظروف الموضوعية فإن التعامل الرسمي والشعبي الإنساني الرائع لم يأتِ من فراغ إنما هو ذاتية الطبع ويأتي من تقاليد المجتمع الكردي، لكن بالإضافة إلى الطبيعة المجتمعية فالأساس الحقيقي لها والذي رسّخ مفهوم التعايش، وانتشر في المجتمع الكردي، وبات صفة أساسية تمتاز بها هي منطقة بارزان وعائلة البارزاني، فمنذ قرن ونصف رسخت عائلة بارزان أسس التعايش بين المختلفين قومياً ودينياً ومذهبياً على أساس المساواة التامة، من منطلق أن الإنسان هو الأسمى أياً كان دينه وطائفته ولونه ومسكنه، فوضعت تلك العائلة أسساً من التعايش الراسخ والاحترام للإنسان بناءً على إنسانيته، حيث بات ذلك جزءاً من كينونة الإنسان الكردي في تلك المنطقة، ولذلك يقدم اليوم إقليم كوردستان على المستويين الرسمي والشعبي أفضل بيئة إنسانية ومساواة وأمن واستقرار للاجئين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب.
لذلك يتطلب من المجتمع الدولي عموماً والأمم المتحدة على وجه الخصوص إيلاء المزيد من الاهتمام بإقليم كوردستان وتقديم كل أشكال الدعم له وتقديمه كنموذج يحتذى به في المنطقة، والاحتفاء بهذا النموذج الرائع الذي منطلقه الإنسان وحقوقه وكرامته، ومن شبه المؤكد أن الأمم المتحدة ومؤسساتها ووسائل الإعلام في الدول المعنية بدعم اللاجئين لا يغيب عنهم أن الإقليم يكاد يكون الطرف الوحيد الذي لم يمنن الدول بكونه استقبل اللاجئين، ولا استخدم اللاجئين كوسيلة ضغط تجاه أي طرف دولي أو اقليمي أو محلي.