حكومة (كفيان شر)!!

حكومة (كفيان شر)!!

محمد زنكنة

لعل العنوان الذي بدأت به المقال سيغضب الكثيرين وخصوصاً من يدعون أنهم مقرّبون من السيد رئيس الوزراء تحت مسمى مستشارين، ولكن هذا هو الواقع الذي نعيشه وبكل اسف في ظل حكومة لاتحل ولا تربط ولا تتخذ أية إجراءات إلا ضد إقليم كوردستان عن طريق أدوات ومشاريع مؤقتة تحت شماعة المحكمة الاتحادية أو الإجراءات الإدارية والقانونية، بدليل أن عدداً من نواب الاطار التنسيقي وفي الاجتماع الذي سبق زيارة وفد حكومة إقليم كوردستان برئاسة السيد مسرور بارزاني في أيلول الماضي قالوا لوفد الإقليم وبكل صراحة بانهم لا يستطيعون تنفيذ قانون الموازنة كما نص عليه تشريع مجلس النواب، وهذا يعني فعلاً بان الحكومة لا تستطيع أن تتقدم بأية خطوة إيجابية لتنفيذ وعودها لأنها تشكلت بفعل ضغوط وتهديدات حقيقية عشناها جميعاً خلال عام من الانسداد السياسي.
ولنبقَ في موضوع الاتفاق مع إقليم كوردستان، ولنركّز على اتفاقية الرابع من نيسان وتفاهم الرابع عشر من أيلول وما حصل وما سيحصل بعد ذلك، ففي الأولى كانت النقاط واضحة، وتفاهم، واتفق الجانبان على بنود مهمة أصبحت أساساً لمستحقات وواجبات إقليم كوردستان في قانون الموازنة، ليصطدم هذا الموضوع بشماعة المحكمة الاتحادية والذي ألغى استمرار الدورة الحالية لبرلمان كوردستان، وبإلغاء استمرار الدورة الخامسة لبرلمان كوردستان لا توجد مؤسسة تشريعية تجدد الثقة للمفوضية العليا للانتخابات والاستفتاء في إقليم كوردستان، وبذلك لا انتخابات، أما الاتفاق بين الحكومتين الاتحادية وإقليم كوردستان بعدم وجود برلمان سيعتبر كما يدّعي أصحاب الحقد والكراهية ضد الإقليم باطلاً، وكل ذلك يمرُّ دون اية كلمة من الحكومة أو شخص دولة رئيس الوزراء السوداني، وهذه أولى النقاط التي تثبت العنوان الذي اطلقناه على الحكومة.
وفي الرابع عشر من أيلول اي قبل شهور قليلة، توجّه مسرور بارزاني على راس وفد حكومي مثّل الطيف الثلاثي لحكومة الإقليم (الديمقراطي والاتحاد والتغيير) الى بغداد وبعد اجتماعات مكثفة مع جميع الأطراف العراقية اتفق وفد الإقليم مع جميع الأطراف السياسية على تمرير موضوع المستحقات المالية للإقليم على أساس حلول طويلة وقصيرة الأمد عن طريق مجلس الوزراء ومجلس النواب، ولكن.. لم تمر ساعات معدودة على عودة وفد الإقليم الى أربيل إلا وتوجه بعض الأدوات البشرية من الذين يطلق عليهم نواب الى المحكمة الاتحادية للطعن في هذا الموضوع قبل حتى أن تبت الحكومة في تنفيذ التفاهم بين الجانبين وتحويله الى اتفاق وهذا ما يثبت ويبين بان النية أصلًا للاتفاق غير موجودة ويثبت مرة أخرى ضعف الحكومة أمام الصخرة الهشة للمحكمة الاتحادية، ويثبت أيضاً العنوان الذي أطلقناه على الحكومة، وياللعجب.. كان حكم المحكمة الاتحادية هذه المرة من صالح الإقليم ولكن في إطار بيان ضعيف وكأنه وقع على مضض!!
هذا يذكرنا بما حصل في عام 2017 في عندما اتخذت حكومة العبادي قرارات ضد إقليم كوردستان، وصادقت عليها في جلسة مشبوهة لمجلس النواب ومررتها من باب المحكمة الاتحادية، في حين ان المادة 80 من الدستور العراقي والتي تتحدث عن صلاحيات رئيس الحكومة ببنودها الستة فيها تفسير واضح وتوضيح لصلاحيات الحاكم الفعلي للبلاد مع الأخذ بنظر الاعتبار الملاحظات على قانون المحكمة الاتحادية شخصيا و(مع عدم تجاهل خلو السلطة التشريعية من المجلس الاتحادي)، وبذلك نصطدم أيضاً بواقع أكثر قسوة يبين بان كل مالا يناسب الأطراف المتنفذة المستقوية في الحكومة الاتحادية سيلغى ويختفي دون أي حساب لسلطة رئيس الوزراء وبالتأكيد لهذا الموضوع مبررات سأذكرها في ختام المقالة.
إن تحجج الأدوات المنفذة لأجندة الميليشيات والذين يسمون بالنواب في مجلس النواب العراقي بالفرق بين مستحقات وتخصيصات الإقليم وجنوب العراق لا تمت للواقع بأية صلة، لان الإقليم حقق بخمسة بالمئة من الموازنة مالم تحققه بقية محافظات العراق بأكثر من خمسة وتسعين بالمئة، فمازال المواطن العراقي يسأل ما هو مصير أكثر من 800 مليار دولار بين 2005-2014؟ ولماذا لا تتحرك الحكومة لتدارك فساد شركات النفط في الجنوب والتي وصل الفساد بيها حد السوس الذي ينخر أسس الدولة؟ وأين تحركات الحكومة من الغاز المتدفق من كركوك والذي تعادل الثانية الواحدة منه خسائر تقدر بعشرة آلاف دولار؟ وأين الحكومة من إعادة إعمار المدن المنكوبة؟ وماهي مخططاتها لحل مشاكل جرف الصخر والطارمية؟ ولم نسأل هنا عن مصير الربط الكهربائي مع الخليج والاتفاقية العراقية المصرية الأردنية وفساد قطاع الكهرباء والموظفين الوهميين؟
فلو كانوا حريصين فعلاً على حقوق مدن الجنوب في الاستفادة من الثروة النفطية والمعدنية، فليراجعوا الاختصاصات الحصرية لمجلس الوزراء وصلاحيات الأقاليم وصلاحيات المحافظات المنتجة والغير منتظمة في اقليم والادارة المشتركة للملف النفطي من المواد 110-113 ثم 115-124 ، حيث سيصل الجميع الى نتيجة إنه حتى مدنهم تستطيع التصرف بثرواتها بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية (هذا إن كانت الجهات المتنفذة تسمح بدخول العائدات الاتحادية لهذه الحقول والابار الى خزينة الدولة، وهذه مصيبة أخرى).
بالعودة الى عنوان المقال، ومبررات تسقيط الحكومة وتقزيمها، يعود بنا الكلام الى الانسداد السياسي الذي شهده العراق بعد انتخابات العاشر من أكتوبر 2021 والتي أفرزت نتائج لم تعجب الأطراف المتنفذة في حكم العراق، وبعد انسحاب التيار الصدري وما حصل بعد ذلك من مواجهات مسلحة، كان لابد من تشكيل حكومة بأية طريقة، وبعد إن حلت الأزمة في أربيل وفي مقر الرئيس مسعود بارزاني سارعت الأطراف المتنفذة الى تشكيل الحكومة بأية طريقة كانت والقبول بأية شروط والتوقيع على كل ماتم عرضه من قبل الأطراف السياسية المشاركة في الحكومة، بعد تهديد الجانب الدولي بإعادة العراق الى طائلة البند السابع وإحالة الملف الأمني لقوات التحالف المتعددة الجنسيات والعودة الى النقطة صفر، وبذلك تكفت هذه الأطراف شر هذه التبعات لتسير في طريق تشكيل الحكومة ولتعود وتتمكن بعد ان تمسكنت وتستقوي بالجميع.
لكن، هل يعتبر رئيس الحكومة (منزهاً) من كل ما يحصل ولا ذنب له؟ دستورياً وبروتوكولياً، فإن رئيس الوزراء مسؤول أمام الشعب عن كل إيجابية وسلبية تحصل، الا ان الواقع يبين بان السيد رئيس الحكومة في وضع لا يُحسَد عليه، هو لاحول له ولا قوة ولا يستطيع ان يتقدم خطوة لان كل قراراته سيكون لها رادع باسم القانون والزام الجميع بتنفيذ ما يصدر عن المحكمة الاتحادية والاتكاء على الحائط الهش لحقوق مواطني الوسط والجنوب ككلمة حق يراد بها باطل في تغطية صريحة لدق الأسافين بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان.
إن الأطراف المتنفذة في العملية السياسية العراقية تعي جيدا ما الذي حصل في زمن حكومتي المالكي والعبادي بالتفرد بالسلطة ،لذلك من المحال ان يسمحوا للسوداني ان يمارس سلطاته الدستورية لانهم يعتقدون دوماً أنه سيكسب جماهيرية كبيرة ستطغى على ما تبقى من وزنهم السياسي بين الجماهير، وسيتفرد بالساحتين السياسية والشعبية هذا بالإضافة الى القبول الدولي والإقليمي (تركيا تحديدا) وسيعتبر ذلك بمثابة اطلاق رصاصة الرحمة عليهم لذلك سيسارعون الى اختلاق المشاكل ابتداءً من أزمة الدولار لأزمات مع الإقليم مرورا بالمشاكل مع الجانب السني وهذا ما نراه الآن بعد قرار إقالة الحلبوسي وتجريده من عضوية البرلمان (وأيضاً عن طريق المحكمة الاتحادية) وصولا الى الفساد في جنوب العراق وانتهاءً بالطعن في اتفاقيات دولية ودائما عن طريق المحكمة الاتحادية، وبذلك نصل الى النتيجة النهائية لما بدانا به باننا نعيش في دورة برلمانية لحكومة (كفيان شر) من الممكن أن تنتهي بانتخابات مبكرة، ومن الممكن ان تبقى، او من الممكن ان لا نرى اية انتخابات أخرى فكل السيناريوهات متوقعة وجميع الابواب والخيارات مفتوحة أمام جهات سياسية لا تؤمن الى بوعود وعهود وقرارات تبقى حبرا على ورق، وتملأ بها الأرشيف والمتاحف وصحف الوقائع والكتب والملفات، وفي كل الخطوات لن يقف الإقليم مكتوف الأيدي وسيكون بالتأكيد لكل حادث حديث.
ودائما عن طريق المحكمة الاتحادية، وبذلك نصل الى النتيجة النهائية لما بدانا به باننا نعيش في دورة برلمانية لحكومة (كفيان شر) من الممكن ان تنتهي بانتخابات مبكرة، ومن الممكن ان تبقى، او من الممكن ان لانرى اية انتخابات اخرى فكل السيناريوهات متوقعة وجميع الابواب والخيارات مفتوحة امام جهات سياسية لاتؤمن الى بوعود وعهود وقرارات تبقى حبرا على ورق وتملأ بها الاراشيف والمتاحف وصحف الوقائع والكتب والملفات، وفي كل الخطوات لن يقف الاقليم مكتوف الايدي وسيكون بالتاكيد لكل حادث حديث.