التقليد ...هل يولّد حضارة؟
صالح محمود
لكلّ شعب طريقته الخاصة في النهوض والتطور وهي حتماً تنبع من صميم عادات وتقاليد وأنماط حياة مرّ بها وعايشها، فمثلاً اليابانيون أو الصينيون سلكوا طريقاً للنهضة مغايراً عن الطرق والمسالك التي سارت فيها الشعوب الأوروبية وباقي الشعوب والأمم، ولكن هذا لا يتناقض مع حقيقة أنّ الناس يتأثرون بعضهم ببعض والثقافات تتفاعل، وهذا منطق الحياة الثابت.
فأوروبا مثلاً اتخذت من الفلسفة اليونانية أساساً لنهضتها وحضارتها، وفلاسفة الإغريق من أرسطو وسقراط وأفلاطون شكلوا اللبنات الأساسية في حضارة بلاد ما وراء البحار، وكانوا سبباً في ثرائها ورخائها الحالي، في حين بقيت اليونان مسقط رأسهم من أكثر الدول الأوروبية فقراً وسوء حال، فالدنيا حظوظ.
لقد اقتبس الأوروبيون عناصر من الفكر اليوناني، وبنوا عليها، ولكنهم لم يقلّدوا الإغريق تقليداً أعمى لذلك وصلوا وبلغوا مراحل متقدمة في مسيرة التطور البشري، كمن يستقدم حجارة من بلاد بعيدة، ويبنيها على طريقته الخاصة، لقد استعار الأوروبيون الخطوط العريضة من الفكر الإغريقي، ونسجوا عليها حضارتهم ونهضتهم، وبلغوا ما بلغوا، فلكل شعب سياق تطور ونمط حياة خاص يسير فيه، وفي اللحظة التي يقرّر فيها النهوض يتحكّم السياق بمسار نموه وتطوره، متمثلاً بعادات وتقاليد وأعراف ودين وما يحتويه من قيم، ومن يبني نهضة يضع اعتبارات لكل هذه الأمور، وهذا لا يعني التمسُّك بها أو الحفاظ عليها بقدر ما يعني إزاحتها ووضعها جانباً في اللحظة والتوقيت المناسبين، فيما إذا كانت معرقلة وتعيق طريق الصعود.
في القرن الماضي عندما هيمنت الشيوعية والفكر الشيوعي على العالم كله، أبى الصينيون إلا أن يكون لهم شيوعيتهم الخاصة، شيوعية بصبغة صينية ماوية، عناد الصينيين وأصالتهم منعتهم من قبول الشيوعية كما هي، لقد تبنوها بعد فلترتها، وكان هذا الأمر سبباً في خلاف كبير مع المعسكر الاشتراكي كله، وحينذاك زار ماوتسي تونغ الاتحاد السوفيتي، وبقي ثلاثة أيام منتظراً خلف الأبواب حتى استقبله ستالين، فقهر الرؤساء والزعماء وإذلالهم هي عادة قديمة عند الروس، وعندما انهار الاتحاد السوفيتي ومن بعدها المنظومة الاشتراكية حيث تقهقرت، وتفككت، أصبحت الشيوعية عبئاً على الشعوب كلها فتركتها وألقتها جانباً، إلا الصينيون فقد أبوا وأبقوا عليها لأنها باتت شيوعية ذات صبغة صينية خالصة، وأصبح الفكر الشيوعي جزءاً من نسيج الفكر الصيني، ومن الصعب فصله أو عزله، لقد التحم معه تماماً، وبعكس ما جرى مع كل الشعوب، أصبح الفكر الشيوعي عاملاً ورافداً في نهضة الصين وبلوغها ما بلغته، ومازال إلى يومنا هذا صورة ماوتسي تونغ تتصدر العملة أو اليوان الصيني. وتماثيله منتشرة بكل مكان، لقد أصبح ماو أيقونة ورمزاً أبدياً للصين.
لقد مرّت أوروبا بمراحل وظروف تاريخية وأنماط معيشة خاصة وحياة مختلفة تماماً عما مرت به باقي الشعوب، وخاضت أوروبا حروباً ونزاعات داخلية طائفية وعرقية عنيفة جداً، أبادت ثلث سكان أوروبا في القرن السابع عشر والثامن عشر، هذا ماعدا ضحايا الحربين العالميتين.
لقد خرجت، وانبثقت الحضارة الأوروبية من تحت ركام الحروب التي خاضتها فيما مضى، وارتوت من دمائها، والكثير من عناصر ومقوّمات هذه الحضارة الحالية تمخضت عن الحروب التي هدّمت، ودمّرت المسلمات السابقة للشعوب الأوروبية، لقد كانت الحرب -مع الأسف- هي القابلة القانونية التي ولّدت الحضارة الأوروبية.
خلاصة القول:
إنّ الحضارات كثيرة ومتعددة والدول الناهضة كثيرة، دول متقدمة في الشرق كالصين واليابان وكوريا الجنوبية وأخرى متقدمة في الغرب كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يبقى هناك عامل ثابت لا يتغير وهو إنّ المحاكاة والتقليد من المستحيل أن يكون طريقاً لنهضة حقيقية لأي شعب أو أمة، "فالذكاء يموت وينتحر عند تقليد الآخرين وإن أردت أن تبقى ذكياً عليك التخلص من التقليد" فالمقلد له عينان مستعارتان، فكيف له أن يرى من خلال عيني شخص آخر؟ المرء يحتاج إلى عينيه الخاصتين وإلى ساقيه الخاصتين لكي يسير "فالناس يعيشون حياة مستعارة لذلك فحياتهم مشلولة" هذا مع وضع الاعتبار إنّ الحضارة السائدة الآن وفي العالم كله هي من منتجات الفكر الغربي عموماً، وهي ذات صبغة غربية بامتياز.
لقد استطاع الغرب أن يفرض طريقته وأسلوبه وفي مجالات عديدة على العالم كله، وأصبح الطابع الغربي هو السائد شئنا أم أبينا.
التقليد لم يكن في يومٍ ما عاملاً في نهوض أمة أو صعودها، المقلد يفقد توازنه وهويته، لبنان مثلاً من الدول التي سارت في الركب الأوروبي والنتيجة كانت دولة مزعزعة وأمن غير مستقر وشعب فاقد لأشياء كثيرة، منها: التوازن.