مأساة السوريين في ظل الاستبداد...!
علي جزيري
الاستبداد السياسي - على حدّ قول الكواكبي - بلاء وظلام يعمي الأبصار، فالمستبد ينظر إلى رعيته كالغنم دراً وطاعة، ويذلّ الناس قهراً؛ والعوام هم قوّة المستبد وقُوتُه، لأنه بهم يصول ويجول... فمنذ اعتلاء حزب البعث على زمام الأمور بانقلاب عسكري، اعتاد الانقلابيون شَرْعَنة المفاهيم المستوردة التي أكل عليها الدهر، وشرب، ثم راحوا يُروّجون تلك البضاعة الكاسدة في بلدان المنشأ، كي يحجبوا عن الآخرين رؤية الواقع بعجره وبجره، وتضييق الخناق على حرية المبدعين والمتنوّرين والناشطين السياسيين، عن طريق الرقيب الذي كان يُحصي على الناس أنفاسهم، بهدف توظيف الأدب والفكر والدين في خدمة السياسة الرعناء للحاكم، ورغم ما عانته "الرعية" من عسف الاستبداد وجبروته، إلا أنها بذلت قصارى جهدها في إعمال الفكر للتعبير عن معاناة البسطاء والمُضطّهَدين، وقراءة الواقع في سياقه التاريخي وحاضنته الجغرافية.
أجل، سلك المستبد في بلادنا هذا الدرب، وتمادى في تهوُّره مما أراق المزيد من دماء السوريين هدراً، مقتدياً بـ "نيرون"، الذي أحرق روما وهو يستمتع بمنظرها وسط صراخ الضحايا، أو بقاطع الطريق "بروكرست" في الميثيولوجيا الإغريقية، كي تغدو الأمور على مقاساته.
هذه التراجيديا، تُعَبّر عن واقع السوريين بحق، جرّاء ابتلائهم بوحشية النظام واكتوائهم بسطوته، في ظل "جمهورية الرعب" المُشَيِّدَة على جماجمهم، ومعمعان أباطيله المروّجة حتى لو اقتضى الأمر ليَّ حقائق التاريخ بأي ثمن، مضى بتسييج أذهان السوريين، وترويضهم بتُرّهات ما أنزل الله بها من سلطان.
زيادة على ما ذكرناه، عانى المكوّن الكُردي في الجزء الكُوردستاني الملحق بسوريا، كـ "كبش فداء"، من محاولات تزييف الهوية وممارسة الاستعلاء القومي، وانتهاج سياسة التعريب، وتجريد شعبنا من أبسط حقوقه القومية؛ وأخيراً وليس آخراً إدراجه في عداد "الأقليات" المهاجرة، ضارباً بحقائق التاريخ عرض الحائط.
ما من شك أن هذا "الاستبداد الشرقي" الموروث من عصور الظلام، أدّى إلى ترسيخ روح الاستسلام والتبعية، حتى قُيٍّضَ له شراء ذمم الكثيرين بإغراءاته البخسة، وما تهافت البعض على نيل فتات الموائد، وهم يحمدون بحمد السلطان، ويهللون لسوريا "الأسد" وكأنها الجنة الموعودة، إلا تعبيراً عما قلناه...!
جرّاء ذلك، تبلورت ما تُسمّى بـ "ثقافة القطيع"، بدليل أن الحاكم المتربع في قمة الهرم السياسي، ومنذ توريثه الحكم، خَيِّر الناس بين القبول بالأمر الواقع أو إعمال السيف في رقابهم.
وروى الكاتب الفرنسي فرانسوا رابلي حكاية تفصح عن هذا الطبع البهيمي، قائلاً: سافر "بانورج" ذات يوم بحراً، وصادف أن كان تاجر الخراف "دوندو" الجشع وقطيع خرافه على متن ذات السفينة.. بيد أن خلافاً نشب بينهما، فصمم بانورج الانتقام من دوندو، واشترى منه (المرياع) بسعر باهظ... ثم أمسك بقرنيه وألقاه في اليَمِّ، حينئذٍ حذت الخراف حذوه بدافع "الحس القطيعي"، وسط ذهول التاجر الذي جن جنونه، بعد أن باءت محاولاته لردع القطيع بالفشل، فما كان منه إلا أن أمسك بالخروف الأخير، لكنهما سقطا في البحر وغَرِقا.
والعبرة ها هنا، تكمن في الخطر الداهم في بروز "ثقافة القطيع" في سوريا... ومازال السوريون يبحثون عن حلٍ، إلى أن يُهيِّئ لهم االله مِنْ أمْرِهم رَشَداً...!