ما يجري لا يوحي بـ "نهاية التاريخ"...!

ما يجري لا يوحي بـ

علي جزيري

روى المرحوم صبري بوتاني(1) قائلاً: كنتُ أعَلِّمُ الصحفية الفرنسيةJoze Bertolino ، فسألتُها ذات يوم: لقد عاصَرْتِ الثورتين الڤيتنامية والكُردية، وكُنْتِ شاهدة عيان على مآلاتهما... ما الفرق الذي شدَّ انتباهكِ بينهما؟
أجابتْ: لا شيء، كل ما أستطيع قوله، هو أن الثوار الڤيتناميين لم يكونوا أشجع من الپێشمەرگه...! فقد كان للفيتناميين أيضاً هارباكهم(2)، وثمة شرائح من الشعب الڤيتنامي وقفت ضد الثورة وآزرت أعداءها وفق مقتضيات المصلحة، وهذه حالة سائر الأمم عبر عصور التاريخ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن قادة حركة التحرر الكُردية بدءاً من عبيد الله النهري، ومروراً بمحمود الحفيد وعبد السلام بارزاني والشيخ سعيد وقاضي محمد وانتهاءً بمصطفى بارزاني، لم يكونوا أقل شجاعة وحنكة ودراية وعزماً وتصميماً وتواضعاً ومرونة من قادة الثورة الفيتنامية وفي مقدمتهم هوشي مينه.
إنّ انتصار الثورة الڤيتنامية يعود قبل كل شيء إلى تضحيات الڤيتناميين وإصرارهم على نيل الحرية بأي ثمن، لكنْ يجب ألا ننسى العامل الخارجي المتمثل في القوتين العظميين المتمثلين في الاتحاد السوڤييتي وجمهورية الصين الشعبية، اللتين كانتا تشكّلان مع حلفائهما ظهيراً للثورة الڤيتنامية، له وزنه السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعسكري.
خلاصة القول، إن موقع كُردستان المُجَزّأة وأهمية هذا الموقع الاسترتيجي - الاقتصادي، هو الذي دفع بإسماعيل بيشيكجي إلى القول إنه شكّل وبالاً في المنظور الجيوبولوتيكي، لأنه أسوأ من وضع "مُسْتَعْمَرَةٍ دولية"، ناهيك عن عدم وجود ظهير مساند. وليس الاستفتاء الذي أجري في 25 أيلول عام 2017 ببعيد، بعد أن أدلت الغالبية العظمى (92%) لمصلحة الاستقلال، بيد أن الأمم المتحدة التي تتشدق بشعار حق الشعوب في تقرير مصيرها، والقوى الدولية التي تتبجح ليل نهار بديمقراطيتها، ضربت بإرادة الشعب الكُردي عرض الحائط...!
روى لنا ذات يوم الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي طُرْفَة مُعَبٍّرة جاء فيها: يُحكى أن أربعة أخوة ورثوا عن أبيهم قطعة أرض، كانت تقيهم غائلة الجوع. وذات يوم، عَزَمَ صغيرهم على أداء مناسك الحج، فأوصى أخوته برعاية أطفاله الصغار، بيد أنهم أقصوه عن حقوقه المشروعة، بمباركة ميمونة من إمام القرية. وحين عاد الصغير إلى أرض الديار، فوجئ بالصفقة التي حيكت في غيابه، ولما تعذر عليه استرداد حقه المسلوب بالحُسنى، لم تبقَ في جعبتِهِ إلا أن يُعَكِّرَ صفوة راحتهم، فكان يمرُّ بأبوابهم كلما خلدوا للراحة، وهو لا يَكفُّ عن الضرب على صفيحة من التنك، ولسان حاله يُردّد: لا، لن أدعكم تناموا قريري العين بعد اليوم...
وحالتنا نحن الكُرد أشبه ما تكون بحالة صغير القوم السالف الذكر، وما الأخوة الثلاثة سوى العرب والترك والفرس، أما الإمام فيجسّد الإرادة الدولية المتجسدة في عصبة الأمم سابقاً والأمم المتحدة والقوى العظمى لاحقاً...
في المحصلة، توحي الطرفة إلى محنتنا نحن الكُرد... فهل سَيُقْدِمُ "أخوتنا" في الدين على إنصافنا يوماً؟!
(1 ) 1925- 1998، من منطقة وان، شاعر ومن عِداد پیشمەرگة ثورة أيلول المجيدة.
(2 ) هارپاگ: قائد ميدي تآمر مع كورش الاخميني ضد الملك الميدي استياگ.