كوردستان جمهوريات وممالك!!
صالح محمود
هناك أحاديث من هنا وهناك تقول: إن الدول والكيانات لا تليق بالكرد، وإن الكرد طوال فترة تاريخهم كانوا رعايا في دول ليست لهم، وإن الكرد شعوب وأقوام لم ينضجوا بعد لكي يكونوا كغيرهم من البشر سادة وأصحاب أطر وكيانات خاصة بهم، والكرد كانوا تعساء على مدى التاريخ، فما مدى صحة هذا الكلام؟ وهل حقاً هناك لعنة حلت بهذه الأمة، ومنعتها من أن تصبح كباقي أمم الأرض؟
في الواقع، وبالرغم من أن هذه الأقوال هي ذات صبغة عنصرية، وهي صادرة عن جهات غاضبة على الكرد وكارهة لهم، أو أحياناً قد تخرج من أفواه بعض الكرد الميئوسين أو القانطين، إلا أنها تحمل بعض الحقيقة، فالأشياء في النهاية تُقيّم بنتائجها وخواتيمها، والواقع الحالي ينسجم إلى حدٍ بعيد مع هذه الأقوال، لكن يبقى التاريخ هو الشاهد الأقوى على أيّ حدث، وتبقى الكلمة الفصل له فقط؛ فالتاريخ الكردي يؤكّد بطلان هذه الرواية، وكذبها بدليل أن القرن الثامن عشر والتاسع عشر شهد أعداداً كبيراً من الولايات والإمارات الكردية ذات الحكم الذاتي وتابعة بالاسم فقط للدولة العثمانية أو الصفوية، وكانت هذه الولايات على شكل ممالك يحكمها أمراء وولاة كرد ذوو هيبة وسلطان، ولهم سيادة على مناطقهم، وشهد القرن العشرون ولادة جمهورية مهاباد في إيران في عام ١٩٤٦وجمهورية آرارات في شرق تركيا عام ١٩٢٧ ، ومملكة كوردستان أسسها الشيخ محمود الحفيد في جنوبي كوردستان بين عامي ١٩٢٢ و١٩٢٤ وجمهورية كوردستان الحمراء بين عامي ١٩٢٣ و١٩٢٩ في ناكورني كرباخ، بالإضافة إلى الكيان الكردي الحالي جنوبي كوردستان الذي يعد أقوى تجربة كردية في السياسة والإدارة والحكمة على مر التاريخ الكردي.
يعدُّ الكرد حقيقةً من الأقوام القديمة في هذه المنطقة، لذلك كان مقدار لابأس به من الإمارات والممالك في فترة ما قبل الميلاد من ميتانية وميدية، وحتى أيوبية من حصته، وهذا إن دلَّ على شيء فهو يدلُّ على عنصر الأصالة والقدم عند هذا الشعب، ويؤكّد بشكلٍ قطعيّ إن الكرد سكان هذه المنطقة الأصلاء، وليسوا شعوباً عابرة أو طارئة بل راسخين وموجودين منذ آلاف السنين في هذه البقعة الجغرافية، وهذا بالمعايير العالمية أمر ليس بهيّن، فما الذي كان وراء تقهقر وتراجع الكرد بالوقت الحالي وحرمانهم من دول وكيانات تليق بهم وبحجمهم ومكانتهم وأعدادهم الهائلة؟ من المؤكد إنّه كانت هناك عوامل متعددة وكثيرة وراء إخفاق المحاولات الكردية المتكررة في بناء دول، وأكثرها عوامل تتعلق بالذات الكردية أو بالأنا الكردية التي توانت عن خدمة نفسها، نعم لقد تحالفت هذه الذات مع التاريخ الذي كان متآمراً عليها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لذلك نال الكرد النصيب الأكبر من لعناته وخاصة في القرن العشرين حيث كان الطموح الكردي يصطدم دائماً بتآمر الحكومات والأنظمة المتحكمة بجغرافية كوردستان، وقد شهد ذاك القرن عشرات المحاولات للنهوض والتحرر والتخلص من هذه الأنظمة، ولكن لم يُكتب لها النجاح، وكان التاريخ في كل مرة ينحاز إلى خصوم وأعداء الكرد، مع إن الشعب الكردي كان على يقين تام أن الحقوق تنتزع انتزاعاً ،فنحن قوم نعيش على أرضٍ ليست مملكةً للآلهة، ولسنا في حضرة الملائكة بل نحن في مملكة الشياطين، وفي مملكة بشر طمّاعين مثلنا.
لقد كان الشعب الكردي على مرّ الزمان، وفي أغلب الأوقات تلميذاً غير مثابر للتاريخ، وقد تلقى دروساً كثيرة على يديه ولكنه لم يستخلص منها عبراً كافية! لذلك حصل ما حصل، وهنا تذكرت عنوان كتاب ألفه تشرشل، ونال عليه جائزة نوبل للآداب عنوانه" التاريخ يعيد نفسه لأن الحمقى لم يفهموه جيداً"
لعل المواجهة الكردية للفرنسيين والإنكليز في القرن الماضي كانت ضربٌ من السذاجة والتبسيط، فلو وقف الكرد على الحياد في تلك الصراعات لجنوا أكثر من الناحية السياسية، وكذلك الأمر وقوف الكرد مع الخميني في انقلابه وثورته ألم تكن حماقة؟ لقد انحاز الكرد لأعدائهم، ولجلاّديهم ضد أنفسهم، وفي أثناء مجازر الأرمن كان الكرد إلى حدٍ كبير أدوات بيد النظام التركي الفاشي وهذه ليست حماقة فقط بل وصمة عارٍ أيضاً، وفي الوقت الحالي تنظيم البككه يمثل بامتياز الوجه القبيح والمتكرّر للحماقة الكردية هذا بالإضافة إلى عامل آخر خطير ساهم في تراجع القضية وتقهقرها وهو غياب المعرفة الكافية بسياق الأحداث، وبميزان القوى السياسي محلياً ودولياً، ممّا أدى إلى تآمر التاريخ والجغرافيا معاً على الشعب الكردي، وقد ظهر هذا الأمر جلياً عندما اعتمد كرد إيران في أربعينيات القرن الماضي على السوفييت في بناء جمهوريتهم مهاباد حيث تعرّضوا للخذلان، ولأكبر خديعة في التاريخ عندما سحب السوفييت دعمهم لهذه الجمهورية الفتية، ونجم عن هذا إعدام القاضي ومجموعة من رفاقه ونزوح البارزاني الخالد مع خمسمائة من أنصاره إلى الاتحاد السوفييتي، مما أدّى إلى إطفاء القضية وإخمادها لفترة طويلة، لأن رموز القضية قد غابوا، فمنهم من أُعدم، ومنهم من نُفي، الجغرافيا التي هي (عامل ثابت في السياسة وإن اختلفت الظروف) مع التاريخ تآمرا معاً على هذه الأمة، وكانتا وراء النزوح الهائل للآلاف من أبناء كوردستان، وهذا السيل المتدفق الهادر من المهاجرين والنازحين الكرد من ديارهم، نحن الكرد نبني أعشاشاً ليست لنا بل لغيرنا ونهجرها هذه عادة قديمة ومتأصلة فينا، نعم نبنيها لغيرنا، وننسى حاجتنا الماسة إلى عش، وإلى سقف يأوينا، لقد اعتدنا على الهجرة والرحيل وعلى البقاء في العراء، كوردستان الحلم أصبحت واقعاً ولكن الحالمون لم يعد يروقهم هذا الحلم، لذلك رحلوا، وتركوا وأصبحت كوردستان وخاصة الجزء السوري منها خاوية على عروشها، وطالما البيوت لساكنيها، فكوردستان باتت مسكناً للغرباء، كوردستان كانت دائماً أماً قاسية تقسو على أبنائها مما دفعهم للهجرة والرحيل المستمر، ومع ذلك حملوها في قلوبهم ووجدانهم، أبناء كوردستان عاشقو الرحيل، أحفاد كاوا قرروا الانتشار فيما وراء البحار، وتركوا صحبة الجبال، ووضعوا المعاول والمطارق، وخارت عزائمهم وهُزلت سواعدهم، وأصحاب النار خمدت نارهم.