في التأسيس لـ لوبي كردي

في التأسيس لـ لوبي كردي

شادي حاجي

لا أعتقد من حيث المبدأ أن هناك أي اعتراض لدى أي كردي مقيم على أرضه في الأجزاء الأربعة لكوردستان، وفي أي بقعة من العالم يحب الوطن ويعشق الحرية، ويؤمن بقضيته الكردية العادلة على فكرة تأسيس لوبي كردي في الخارج عموماً، ولكن هذا لا يمنع أن نختلف مع الجهات الكردية المتعددة التي تعمل بشكل منفرد ومختلف من أجل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي كردياً نظراً لوجود أكثر من مشروع لأكثر من طرف في الشكل والأسلوب والآلية والكيفية التي يمكن الوصول الى تحقيق مثل هذا الهدف.
فلذلك ومن وجهة نظرنا ومن حيث المبدأ نقول لأصحاب هذه المشاريع ومثل هذه الفعاليات إن ما قمتم به يا أيها السادة مهم، لكن الأكثر أهمية ما لم تقوموا به!
وكما يقول موليير «لسنا فقط مسؤولين عن الأعمال التي نقوم بها، بل الأعمال التي لا نقوم بها»، فالأعمال التي لم تقوموا بها أكثر أهمية.
وللتوضيح أكثر وللخوض في صميم وجوهر الموضوع لابد من إلقاء الضوء على كلمة اللوبي وما تتضمن من مفاهيم.
لا شك أن كلمة اللوبي قد تبدو صغيرة الحجم وقليلة الأحرف وسهلة النطق بها، ولكن معناها كبير.
فاللوبي: عبارة عن جماعات ضغط سياسي واقتصادي واجتماعي وإعلامي وفكري تتكوّن بفعل ظروف خاصة للتأثير على مواقف خاصة تعمل في البلاد القاطنة فيه على المستوى السياسي والاقتصادي والفكري والإعلامي والمجتمعي وغيره وفق خطط دقيقة ومحكمة، وعبر تخطيط شامل كما أسلفنا أسلوباً ومنهجاً وسلوكاً يتزامن مع مراحل تنفيذ الأهداف المرسومة ليس هذا فحسب بل هي جماعة تعمل على التأثير على مصدر القرارات التي تتوزع على السلطتين التشريعية والتنفيذية الحاكمة والتي تحدد صلاحياتهما من قبل دساتير الدول وقوانينها فيحدد اللوبي نقطة تركيزه اعتماداً على مصادر اتخاذ القرارات و باستطاعتها تقديم كل أشكال الدعم للقضية التي تشكلت من أجلها اللوبي.
مهما تبدلت التعريفات والأسماء، وتعددت فهي في النهاية يجب أن تتضمن اللوبي مفهوماً يشير الى القيام بتجميع الجهود وتنسيقها من أجل الحصول على نتيجة محددة مرغوبة إزاء هدف معين وذلك عن طريق القيام بمحاولة الضغط والتأثير على أجهزة السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية لدفعها لاتخاذ القرارات والإجراءات المطلوبة، ومن أجل توظيف المزايا التي تنتجها تلك القرارات ليس هذا فحسب بل والسعي الى التأثير وممارسة النفوذ في توجهات الرأي العام باستخدام وتوظيف أجهزة الإعلام والصحافة وأيضاً استخدام التعبئة السياسية عن طريق تحريك المظاهرات وتنظيم الاحتفاليات إضافة إلى توظيف المنظمات الحكومية وغير الحكومية في شتى المجالات الداعمة لتوجهات اللوبي.
كما أن ما يميز جماعات الضغط (اللوبي) عن الأحزاب السياسية هي أنها لا تسعى الوصول الى السلطة خلافاً للأحزاب السياسية، وفي المقابل فإنها تتدخل في السياسة دفاعاً عن أفكارها ومصالحها الخاصة، ومن هنا ولكي نستطيع في نظر علم السياسة أن نعدّ تجمعاً ما جماعة ضاغطة يجب على هذه الجماعة أن تتمتع بخصائص ومزايا معينة، وأن يكون الضغط الذي تمارسه ليس فقط فعلياً بل سياسياً أيضاً أي ضغطاً على السلطة السياسية بهذا المعنى فالجماعات الضاغطة هي فاعل أساسي في الحياة السياسية من خلال تأثيرها المباشر أو غير المباشر على السلطة السياسية بواسطة المنتخبين والأحزاب والرأي العام إضافة الى إمكانياتها الذاتية.
ونتيجة لكل ما ذكر أعلاه من معلومات هناك سؤال يفرض نفسه بقوة وهو:
من هي الجماعات والقوة المحركة الضاغطة على القرارات السياسية الأمريكية والأوربية والعالمية الخارجية على الأغلب؟
أول ما يلفت السؤال نظرنا إليه هو ما يسمعه الناس كثيراً حول اللوبي الإسرائيلي ونفوذه على السياسة الأمريكية والأوربية وكثير من الدول الأخرى في العالم عن طريق تأثيره القوي على عملية صنع القرار في هذه الدول ولكن على ما يبدو فإن اللوبي الإسرائيلي لم يعد وحده الموجود على الساحة السياسية، فهناك العديد من مجموعات الضغط (اللوبيات) والتي ظلت تحاول دائماً بطريقة أو بأخرى التحالف مع اللوبي الإسرائيلي باعتباره يمثل “اللوبي الرئيسي” من بين اللوبيات المنظمة التي تحترف الضغط والتأثير على عملية صنع واتخاذ القرار.
ومن إحدى مجموعات الضغط تلك هي جماعات الضغط الأرمنية (اللوبي الأرمني) والذي يُعدّ على مستوى العالم قوة لا يستهان بها فهو صاحب الفضل الأول في التعريف بقضية الأرمن والقيام بمجموعة من الأعمال والنشاطات (أفراد ومنظمات) في دول الشتات للتأثير على السياسة الخارجية لدولهم بالشكل الذي يتناسب فيه مع مصالح الأرمن وأرمينيا واكتساب هذا التعاطف العالمي وعلى سبيل المثال لا الحصر يشكل الأرمن جالية كبيرة في أمريكا ولهم الكثير من الجمعيات مثل “اللجنة الوطنية للأرمن بأميركا” وهي أكبر منظمة أرمنية في أميركا.
كما أن هناك أكثر من مليون ونصف المليون أميركي أرمني ولديهم عضوان في مجلس النواب، وعدة صحف تصدر باللغة الإنكليزية وبالتالي فهم أكثر تأثيراً من أي جالية أخرى بعد الجالية اليهودية على السياسة الأميركية.
فبحسب المعطيات الأمريكية مثلاً يحتل اللوبي الأرمني المرتبة الثانية بعد اللوبي الإسرائيلي اليهودي في الولايات المتحدة وأيضاً لها دور عظيم في كل من فرنسا وألمانيا بعد تنافس شديد مع اللوبي الكوبي الذي أصبح ثالثاً.
ونظراً لما سبق ذكره أعلاه من حقائق ووقائع وأسباب يظهر بأن تأسيس اللوبي يحتاج الى بحوث ودراسات وتخطيط شامل من حيث الأسلوب والمنهج وعمل شاق وطويل من حيث عقد لقاءات وندوات ومؤتمرات مع كافة الفعاليات والتعبيرات والمنظمات الحزبية وغير الحزبية الكردية المتواجدة في ألمانيا وبقية الدول الأوربية والعالم حيث تواجد المغتربين الكرد، والتنسيق فيما بينها للوصول الى موقف واحد ورأي واحد قدر الإمكان.
لذلك كان يجب على من يعملون في هذا الاتجاه التفكير ملياً قبل الإقدام على مثل هذا الأمر، وعلى أقل تقدير كان عليها أن تلتقي وتنسق مع جمعيات ومراكز ثقافية مجتمعية كردية ومع منظمات كردية حزبية ومع شخصيات أكاديمية مستقلة والتي خطت كل منها على حدة خطوات مقبولة في مثل هذا الاتجاه في بلدانها ومناطقها بالرغم من أنها ليست على المستوى المطلوب بعد، والأهم من كل ذلك مع أصحاب رؤوس الأموال الكرد والعشرات بل المئات من الطلاب الكرد الذين يدرسون في الجامعات الألمانية والأوربية وذلك لتهيئة الأرضية اللازمة وخلق الظروف الملائمة المسرعة لنجاح وتحقيق مثل هذا الهدف الذي يتطلب حكمة فائقة وحنكة سياسية وإدارية عالية، فلا بد من أن تتمتع جماعات الضغط عموماً بخصائص ومزايا معينة أبرزها أربع وهي:
1- لكي يصبح اعتبار مجموعة ما مجموعة ضغط فمن الضروري أن تمتلك حداً أدنى من التنظيم.
2- ينبغي على المجموعات التي تمارس ضغطاً سياسياً أن تفعل ذلك من أجل الدفاع عن أهداف خاصة بها.
3- لكي تكون مجموعة ما مجموعة ضغط يجب أن تتمتع باستقلالية القرار وألا تكون مجرد أداة لجهات أخرى ذات مصالح ضيقة.
4- لكي تكون مجموعة ما مجموعة ضغط لابد أن يكون تحركها بغاية التأثير في اتخاذ القرارات أو لتبديل التوجهات السياسية للسلطة في القضايا التي تهم هذه الجماعات.
لا أن يتجاوز أصحاب تلك الفعاليات كل هذه المزايا بل عليهم بالإضافة الى الأخذ بهذه المزايا أن يفكروا بأمور أساسية أخرى مهمة واستراتيجية تكون سبباً لنجاح المشروع برمته وهي:
1 - التفكير بالأمور المهمة مثل كيفية التعاون والتنسيق وتشكيل مجموعات الضغط هذه من تنظيمات ومؤسسات سياسية واقتصادية ومالية وإعلامية قائمة بذاتها في كل بلد ومقاطعة من المقاطعات التي تتواجد فيها مغتربي الكرد، مع تخصيص ميزانية لكل تنظيم على حدة مع إدارة قانونية مهنية وذاتية خاصة بها تعمل جميعها وفق المخطط المرسوم لها والهادف الى تأييد وتقوية الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره في الآفاق السياسية والاقتصادية والإعلامية وإقامة دولته المستقلة.
2 - القيام بدراسة أوضاع الجالية الكردية في ألمانيا وأوروبا والدول التي تتواجد فيها، بشكل أكاديمي علمي وموضوعي، لمعرفة إمكانياتها الاقتصادية ومؤهلاتها الأكاديمية وعدد الوظائف الحكومية التي يشغلونها والأحزاب السياسية والمنظمات الإنسانية والمجتمعية الألمانية التي ينتسبون اليها وقدراتها الاقتصادية والثقافية والإعلامية، ومعرفة مدى قوة ودرجة تأثيرها على المجتمع الألماني والأوربي وصانعي القرار السياسي في هذه البلدان.
3 - العمل على تشكيل هيئة عليا ومجلسين ذات نظام لامركزي ذو صلاحيات واسعة في كل بلد:
- مجلس تشريعي استشاري (مجلس الشيوخ).
- مجلس تنفيذي مكون المكاتب الاختصاصية من خلال إجراء الانتخابات بشكل ديمقراطي حر ونزيه من خلال الندوات والاجتماعات والمؤتمرات التي ستقام مع الفعاليات والتعبيرات السياسية الحزبية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقانونية والإعلامية المتواجدة في ألمانيا وأوروبا والبلدان الأخرى.
لهذه الأسباب الجوهرية والحساسة الأخرى التي لم نتطرق إليها في هذه العجالة والأسباب التي ترونها أنتم يا أيها السادة القراء الأكارم فإننا نعتقد بان بوادر فشل المحاولات القائمة بادية بالرغم من ضرورتها وأهميتها بالنسبة للشعب الكردي وللجالية الكردية في ألمانيا وفي الخارج عموماً، وهذا ما يقلقنا لسبب بسيط وهو لأن الطريق واضح ولكن للأسف لم يسلكوه، وهذا سيؤثر في المستقبل على مجتمعنا الكردي برمته.
وأخيراً وليس آخراً
ما الذي يمكن للجالية الكردية في أوروبا وأمريكا والدول الأخرى ومنظمات أحزابها السياسية تحقيقه في حالة غياب لوبي كردي جامع قوي ومؤثر بمقابل وجود لوبيات تركية وإيرانية وعربية منظمة ومؤثرة؟