"بطلٌ من هذا الزمان"...!
علي جزيري
روى الشاعر تيرێژ( ) طرفة سرعان ما تأخذ بالألباب، جاء فيها: كان فخري نجل الشيخ خالد زعيم عشائر زيلان منخرطاً في انتفاضة الشيخ سعيد عام 1925، وحين ألقى الأتراك القبض على قادتها بمن فيهم فخري، توجّه والده إلى آمد/ ديار بكر واستعان بضابط كبير كي يلتمس الخلاص لولده من المشنقة، فاستجاب الضابط، ووعده ببذل قصارى الجهد عسى أن يحظى بالعفو عن فخري، ويفك أسره. وفي اليوم التالي، سافر الضابط إلى أنقرة والتقى بمصطفى كمال باشا، وروى له الحكاية، قائلاً:
-أيها القائد المبجل، زعيم زيلان ليس عدوّنا، ويبدو أن أحداً ما قد افترى على ابنه فألقي القبض عليه ظلماً وبهتاناً، وهو بريء كبراءة الذئب من دم يوسف...!
قال كمال: ماذا تريد؟
ردَّ الضابط: أن تطلق سراحه يا سيدي.
أجاب كمال: لا بأس، سأسلمك رسالة توصلها إلى قاضي "محاكم الاستقلال"، حين يمتثل فخري أمامه يوم النطق بالحكم، سيسأله القاضي من أية أرومة هو، فليقل إنه تركي، حينئذٍ سيُطلق سراحه.
عاد الضابط فرحاً، وسلّم رسالة كمال إلى القاضي، ثم زفَّ البشرى للشيخ خالد، قائلاً:
-هنيئاً لك، لقد ظفرتُ أخيراً بقرار العفو عن ولدك، شرط أن يجيب القاضي بأنه "تركي".
ذهب الشيخ خالد إلى السجن في اليوم نفسه، وروى لابنه ما جرى بين الضابط ومصطفى كمال...
وفي يوم النطق بالحكم، سأل القاضي:
-من أي قوم أنت يا فخري؟
ردَّ فخري: إنني كُردي...!
نظر القاضي إليه بحنق، وتأملَ رسالة مصطفى كمال، وكرّر السؤال. لكن فخري أجابه رابط الجأش: سألتني وأجبتك، أليس من العار أن أفتري على والدتي الطاهرة العفيفة، وأدّعي أنها أنجبتني من صلب رجل تركي؟ إني أرى مشانقكم فافعلوا ما طاب لكم. ومضى فخري يقول: ناهيك - يا سيدي القاضي - فالادعاء أنني من الأرومة التركية، مخالفة صريحة لقول الله تعالى: "يا أيها الناس إنَّ خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (سورة الحجرات، الآية 13).
فساقوه إلى حبل المشنقة في الحال، وانضمّ بذلك إلى قافلة شهداء الحرية...!
لذا، استحق أن يُكنّى بـ (بطل من هذا الزمان) بكلّ جدارة ...!
أولاً -لأن موقفه إنما يَنِمُّ عن نبل في الأخلاق، ووعي متقدم بالهوية، من دون أن ينحدر إلى مهاوي التعصب القومي ومتاهاته، لذا قمينٌ بالتاريخ تخليد أمثاله.
ثانياً - أما الأذلاء، من أمثال كاميران إينان، الذي عُيّن وزيراً لقاء خدماته وترويجه لسياسة التتريك السيئة الصيت، فقد مضى مهرولاً وهو يلهث وراء مصالحه، ويتصرّف وفق إرادة أسياده الذين ساسوه بمنطق العصا والجزرة، كي يظفر بفتات موائدهم في النهاية، وحَرِصَ على التمويه عن أصله الكردي، دون أن "يرفَّ له جفن أو تهتز له قصبة"...!